لحظة فارقة بتاريخ الأمم والشعوب؛ لحظة تنزل كصاعق برق على رؤوس الأشهاد؛ معادلات قسرية تُفرض، وبلدان تتفتت، وموازين قوى تختل، ومفهوم القوة ذاته تغيّر. لم يعد لا عنترة ولا أتيلا الهوني ولا جنكيز خان من يصنع المفاجأة ويحسم؛ باتت لحظة قرن الاستشعار عن بُعد، تكنولوجية الأثر والتأثير. الإنسان ذاته أصبح عرضة لتدفقات سيل من المعلومات تحاصر العقل، وتجعله أسير بالونات تتطاير حاملةً معلومات تخلخل مراكز قوة التفكير، التي باتت تحت سيطرة منصات رأسمال مغاير شكلاً وجوهراً لرأسمال تراكم الثورة الصناعية.
العالم أمام مرحلة تطور غير مسبوقة، بمعادلات حياة الإنسان والأوطان. باتت هلامية: الفرد، الوطن، النص، السيادة، الدولة، معنى الثروة؛ أمور طالها تغير جذري شكلاً ومضموناً، تصنعها منصات وإشارات ضوئية.
نعود للحظة البدء لمفهوم دور الفرد في التاريخ: هل ما زال ذات المفهوم المطروح قبل عقود شتى، كما عبّر عنها الفيلسوف الروسي بليخانوف، أن للفرد دوراً في صناعة التاريخ، تعكس مكانته وقدرته؟ وكيف ذاب ذلك الفرد بعدها داخل
مسميات شتى: قبيلة، حزب، يحرملك، وسلالم الجاه والسلطة، بمعنى القوة والمال، وتبعاً لطبيعة كل مرحلة وكلية القوى المجتمعية المسيطرة؟
راهننا، ماذا يقول؟ وأين موقعه بسُلّم توزيع السلطة والقوة والثروة؟ بات مجرد مفردة تُستخدم عند الحاجة. وبذات المعنى تتصف مكانة ودور ومقام وتأثير التنظيمات الإنسانية، بما فيها الدولة التي تكاد تكون مغيبة بمعناها التاريخي في أغلب البلدان. أما ما نراه في أغلب البلدان فليس أكثر من مجرد هياكل ومسميات تخدم وتُستخدم عبر تكوينات ومسميات جرى ويجري تخليقها، لتلغي أسساً ومفاهيم تاريخية لصالح هياكل ومسميات جذرها ليس بالأرض بين الناس، وامتدادها نحو شواطئ ووديان خارج الأوطان.
- تهميش مكانة المواطن ليصبح مجرد رقم يُستدعى.
- ذوبان الدولة لتتحول إلى هيكل فاقد التماسك والترابط.
- انتهاء مفهوم المواطنة، ليسود الواقع كائنٌ مجبر على التوهان في بحر البحث عن الأنا المقموعة، المشتراة، أو كحالة تائهة تبحث عن رابط أو كفيل.
المواطن... انتهى.
الواقع المفروض عبر مفهوم «الميجا»؛ هو المقرر، هو الداعم، هو السيد الأعلى، والباقي إما:
- مشغولون بحروب فُرضت عليهم.
- أو مشغولون بسباق الموقع المفترض بعالم قادم جديد، أُسّسَت معاييره على غير مفاهيم عصور انتهت.
- نظام دولي صُودر، والباقي منه مجرد غيبوبة.
- حركات التحرر ضُربت.
- أحزاب مناضلة انتهت لصالح كيانات يجري تصنيعها.
التعليم وإعداد الأجيال أمام مسابح ولحى ومستويات بيروقراطية ضحلة، كالحالة التي شاهدناها بشطب اسم الطالبة السورية المتفوقة، أو إسقاط ورسوب جميع أبناء مديرة بحالها، فأمر يثير الغثيان.
إنها مأساة، ورب الكعبة، وليست فقط مخاوف وهواجس.















