> رضوم «الأيام» خاص:

  • تعذيب المهاجرين الأفارقة لإجبار عائلاتهم على إرسال الأموال
  • جرائم تجرد المهاجرين في اليمن من حقوقهم الإنسانية
لم تكن تعرف أن رحلة البحث عن الأمان ستقودها إلى خوفٍ جديد، وأن الطريق الذي قطعته بحثًا عن حياة أفضل سينتهي بها إلى مكانٍ تُنتزع فيه كرامتها تحت وطأة التعذيب والابتزاز.

فتاة مهاجرة من القرن الإفريقي، وصلت إلى أحد مخيمات المهاجرين في مديرية رضوم بمحافظة شبوة، لكنها لم تجد في المكان الذي يفترض أن يكون محطة مؤقتة للعبور سوى معاناة أخرى، بعدما تعرضت، وفق روايات وشهادات محلية، للتعذيب والابتزاز على أيدي أفراد من شبكات نقل وتهريب تنشط بين أوساط المهاجرين.

كانت الفتاة، بحسب الرواية التي نقلها أشخاص تابعوا حالتها، عاجزة عن دفع المبلغ المالي الذي طُلب منها، والذي قد يصل في بعض الحالات إلى آلاف الريالات السعودية. ومع عجزها عن توفير المال، تعرضت للضغط والتعذيب، في محاولة لإجبارها على التواصل مع أسرتها وتحويل المبلغ المطلوب. لكنها اختارت الهروب.

لم يكن أمامها سوى أن تركض بعيدًا عن المكان الذي احتجزت فيه، فغادرت وهي تحمل آثار الخوف والتعذيب على جسدها، وواصلت السير لمسافات طويلة بحثًا عن شخص يمكن أن ينقذها. كانت وحيدة، مرهقة، خائفة، ولا تعرف إلى أين تتجه.

وبعد رحلة شاقة، وصلت إلى أحد المواطنين في المنطقة، الذي وجدها في حالة صعبة، فقام بحمايتها وتقديم المساعدة لها، ثم عمل على إيصالها إلى أحد أقاربها.

وعندما وصلت، كانت آثار التعذيب لا تزال ظاهرة عليها، لتتحول قصتها إلى شهادة حية على جانب مأساوي من معاناة المهاجرين القادمين من القرن الإفريقي إلى اليمن.

قصة هذه الفتاة، بحسب إفادات محلية، ليست حالة منفردة.

فخلف أرقام المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل اليمنية، توجد قصص إنسانية كثيرة لا تصل إلى وسائل الإعلام، وأشخاص يجدون أنفسهم عالقين بين شبكات التهريب والابتزاز والخوف من المجهول.


وتشير روايات متداولة في مناطق تجمع المهاجرين إلى وجود أشخاص وشبكات تستقبل بعض القادمين وتفرض عليهم مبالغ مالية مقابل مواصلة رحلتهم أو نقلهم إلى مناطق أخرى، فيما يتعرض من يعجز عن الدفع للضغط والتهديد، وقد يصل الأمر – وفق شهادات محلية – إلى الاعتداء والتعذيب لإجبار ذويه على إرسال الأموال.

وفي بعض الحالات، لا يملك المهاجر سوى هاتفه للتواصل مع أسرته، فيتحول ذلك الهاتف إلى وسيلة ضغط على العائلة، التي تجد نفسها أمام خيار صعب: إما تحويل الأموال، أو مواجهة احتمال استمرار تعذيب أحد أفرادها.

المهاجرون القادمون من القرن الإفريقي لا يعبرون البحر بحثًا عن المغامرة، بل يحمل كثير منهم أحلامًا بسيطة: مكان آمن، عمل، حياة أفضل، أو الوصول إلى أقارب سبقوهم؛ لكن الطريق إلى ذلك الحلم قد يكون مليئًا بالمخاطر.

رحلة بحرية شاقة، ثم وصول إلى سواحل مجهولة، ثم السير عبر مناطق صحراوية، قبل الوقوع في أيدي المهربين أو شبكات النقل.

وبين كل محطة وأخرى، تتزايد المخاطر، بينما يبقى المهاجر الحلقة الأضعف في هذه الرحلة.

أما النساء والفتيات، فيواجهن مخاطر مضاعفة، بسبب هشاشتهن وحاجتهن إلى الحماية، وهو ما يجعل أي استغلال أو ابتزاز أو عنف بحقهن مأساة إنسانية مضاعفة.

في قصة هذه الفتاة، كان هناك مشهد مختلف وسط كل هذا الألم.


مواطن وجدها وهي في حالة يرثى لها، فلم يسألها أولًا عن جنسيتها أو عن الأوراق التي تحملها، ولم ينظر إليها باعتبارها مهاجرة غريبة، بل رأى أمامه إنسانة تحتاج إلى المساعدة. احتفظ بها وحماها، ثم ساعد في إيصالها إلى أحد أقاربها.

قد تبدو هذه الخطوة بسيطة، لكنها بالنسبة إلى فتاة كانت تهرب من التعذيب كانت تعني الكثير: بابًا فتح أمامها، ويدًا امتدت لإنقاذها، ومسافة تفصلها عن المكان الذي عاشت فيه لحظات الرعب.

تفتح هذه الحادثة وغيرها من القصص المتداولة أسئلة صعبة حول أوضاع المهاجرين في مخيمات ومناطق التجمع والعبور في شبوة.

من يحمي هؤلاء؟ ومن يراقب المخيمات؟ ومن يتابع شبكات الابتزاز والاتجار بالبشر؟ وأين تذهب شكاوى المهاجرين الذين لا يعرفون اللغة ولا القانون ولا الجهات التي يمكنهم اللجوء إليها؟.

إن ترك هذه الفئة الضعيفة دون حماية يجعلها فريسة سهلة لكل من يريد استغلال حاجتها وفقرها وضعفها.

كما أن صمت المجتمع والجهات المعنية أمام مثل هذه الوقائع – إن صحت – قد يسمح بتكرارها، ويحول المعاناة الفردية إلى ظاهرة أكثر خطورة.

هذه الفتاة ربما لن تستطيع أن تروي قصتها كاملة.

ربما لا تستطيع تذكر كل تفاصيل الرحلة، وربما لا تزال تخشى الأشخاص الذين عذبواها، وربما تحتاج إلى وقت طويل حتى تتجاوز آثار ما تعرضت له.

لكن جسدها حمل ما يكفي من الأدلة على الألم. قصتها ليست مجرد حكاية فتاة مهاجرة وصلت إلى رضوم. إنها قصة إنسان وجد نفسه في أرض غريبة، محاصرًا بالفقر والخوف والاستغلال، ثم اضطر إلى الهرب لإنقاذ حياته. وخلف قصتها، هناك قصص أخرى قد لا نعرفها بعد.

قصص رجال ونساء وأطفال عبروا البحر بحثًا عن مستقبل أفضل، فوجدوا أنفسهم أمام عالم من الخوف والابتزاز. ويبقى السؤال الأهم: كم من مهاجر تعرض للتعذيب أو الابتزاز ولم يجد مواطنًا يمد له يد النجاة؟. إن حماية المهاجرين ليست تبريرًا للهجرة غير النظامية، وليست دفاعًا عن المهربين أو المخالفين للقانون، وإنما هي قبل كل شيء دفاع عن حق الإنسان في ألا يتحول ضعفه إلى وسيلة لتعذيبه وابتزازه واستغلاله.

وتبقى الحاجة ملحة إلى فتح تحقيقات جدية في أي ادعاءات تتعلق بالتعذيب والابتزاز والاتجار بالبشر، والاستماع إلى الضحايا وحمايتهم، وملاحقة كل من يثبت تورطه، أياً كانت جنسيته أو صفته؛ ففي النهاية، خلف كل رقم في قوائم المهاجرين إنسان له اسم، وله أم تنتظر اتصالًا، وله أسرة تخشى عليه، وله حلم صغير بالحياة.