> ميامي «الأيام» وكالات:

 كانت واحدة من الصور التي اختزلت كأس العالم 2026: ليونيل ميسي يقف واضعًا يديه على خاصرتيه، ويرفع عينيه نحو جماهير الأرجنتين بعد خسارة النهائي. كانت الدموع تنهمر على وجهه عقب السقوط المؤلم أمام إسبانيا، في مباراة نعرف الآن أنها كانت الأخيرة له مرتديًا قميص منتخب بلاده.

وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تكن تلك الدموع الأولى لميسي في البطولة. فقد بكى فرحًا في المباراة الافتتاحية للأرجنتين، عندما أعاد الزمن إلى سنوات تألقه وسجل ثلاثية رائعة أمام الجزائر.

وعادت دموعه بعد ثنائيته أمام النمسا، التي قادت الأرجنتين إلى الأدوار الإقصائية متصدرة مجموعتها، ثم ظهرت مجددًا عندما سجل هدف التعادل أمام مصر، مانحًا منتخب بلاده فرصة كان في أمس الحاجة إليها.

واتضح لاحقًا أن ميسي كان يخوض البطولة بينما يعيش معاناة شخصية بسبب تدهور الحالة الصحية لوالده خورخي. وكان ذلك عبئًا عاطفيًا واضحًا عليه في الوقت الذي شقت فيه الأرجنتين طريقها بصورة درامية إلى المباراة النهائية، محاولة الدفاع عن لقب كأس العالم الذي أحرزته في قطر عام 2022.

واستمرت الدموع بعد انتهاء المونديال. ففي الأسابيع التالية توفي خورخي، ودفع رحيله ميسي، الذي ظل طوال مسيرته واحدًا من أكثر نجوم الرياضة العالمية تحفظًا وحرصًا على خصوصيته، إلى إظهار جانب شخصي نادر عندما رثى والده عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبين كلمات الرثاء، ظهرت عبارة فاجأت كثيرًا من عشاق كرة القدم. كتب ميسي أن كل ما فعله طوال حياته كان لعب كرة القدم، وأن لديه الآن شكوكًا جدية بشأن قدرته على الاستمرار في ممارستها لفترة أطول.

هذا الأسبوع، أعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي في سن 39 عامًا. القرار كان متوقعًا إلى حد ما، بالنظر إلى عمره والإرهاق العاطفي الهائل الذي رافق بطولته الأخيرة، لكنه مع ذلك وضع نقطة النهاية لمسيرة دولية لا تشبه الكثير من المسيرات.

أنهى ميسي مشواره مع الأرجنتين صاحبًا للرقم القياسي في عدد المشاركات في مباريات كأس العالم للرجال، بعدما خاض 34 مباراة في ست نسخ مختلفة، ليعادل الرقم الخاص بعدد نسخ البطولة التي شارك فيها كريستيانو رونالدو وغييرمو أوتشوا.

وخلال 207 مباريات دولية، سجل ميسي أو صنع 185 هدفًا، بينها رقم قياسي بلغ 35 مساهمة تهديفية في البطولات الكبرى. وكان، بطبيعة الحال، الشخصية الأبرز في الحقبة التي أعادت الأرجنتين إلى القمة، بدءًا من التتويج بكوبا أميركا 2021، ثم كأس العالم 2022، وصولًا إلى الاحتفاظ بلقب كوبا أميركا في 2024.

على الصعيد الدولي، لم يعد هناك تقريبًا شيء يحتاج ميسي إلى تحقيقه.

ومع ذلك، جاء إعلان اعتزاله مفاجئًا بعض الشيء للكثيرين، والسبب بسيط: عبقرية ميسي ما زالت ظاهرة أمام الجميع. فقليلون، إن وجدوا، استطاعوا تقديم سلسلة من العروض في البطولات الكبرى تضاهي ما قدمه الأرجنتيني خلال الفترة الأخيرة، بصرف النظر عن عمره.

والأمر نفسه ينطبق على مسيرته في الدوري الأميركي؛ إذ لا يزال ميسي أفضل لاعبي المسابقة. وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضية وحدها، سجل أربعة أهداف وصنع هدفًا أمام مونتريال، لينتزع صدارة سباق الحذاء الذهبي.

ويرتبط ميسي بعقد مضمون مع ميامي يمتد حتى 2028، إلا أن اعتزاله الدولي فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان سيكمل العقد حتى نهايته.

ويمتلك ميسي نفوذًا استثنائيًا داخل ميامي، حيث تدور الكثير من القرارات الرياضية للنادي حول وجوده، سواء في استقدام اللاعبين والمدربين أو الاستغناء عنهم. كما أن العقود المضمونة لا تمثل بالضرورة ضمانًا لاستمرار النجوم الكبار حتى نهايتها.

ويقدم جوردي ألبا مثالًا واضحًا. ففي العام الماضي، قرر الابتعاد عن عقد يمتد ثلاثة أعوام بعد أشهر قليلة فقط، واختار الاعتزال، لتصبح المباراة النهائية للدوري الأميركي آخر مباراة احترافية في مسيرته. أما ميسي، الذي تحول إلى أيقونة للنادي، فمن المستبعد أن يواجه مقاومة كبيرة إذا قرر هو الآخر إنهاء مسيرته مع نهاية الموسم الحالي.

ومن هنا تأتي الرسالة الأساسية: إذا كنت تعيش في أميركا الشمالية، أو تستطيع السفر إليها، فاذهب لمشاهدة ليونيل ميسي الآن، ما دامت الفرصة لا تزال متاحة.

بعد ثلاثة أعوام من وصوله، أصبح وجود ميسي مألوفًا إلى درجة ما بالنسبة إلى من يعيشون كرة القدم يوميًا في الولايات المتحدة وكندا. السحر الذي رافق ظهوره في البداية تحول بمرور الوقت إلى أمر معتاد، فقط لأنه أصبح يتكرر باستمرار.

في البداية، كان انتقال ميسي إلى ميامي، وما رافقه من استقطاب نجوم أوروبيين مخضرمين، حدثًا استثنائيًا متنقلًا أينما ذهب الفريق. بمرور الوقت، تراجعت تلك الضجة أحيانًا إلى الخلفية، شأنها شأن الكثير مما يحدث في الدوري الأميركي.

لو سجل ميسي أربعة أهداف في مباراة واحدة أمام مونتريال عام 2023، لكانت الواقعة قد تصدرت العناوين حول العالم. أما الآن، فإن تسجيله رباعية بالكاد يحدث التأثير نفسه. لقد أصبح الأمر، بصورة غريبة، أقرب إلى المتوقع منه.

وحتى في ميامي، المدينة التي احتضنت ميسي منذ وصوله، لم يعد مجرد وجوده كافيًا لإشعال حالة الهوس التي رافقت بداياته.

المفارقة أن مستوى ميسي نفسه، على الأقل داخل الدوري الأميركي، لم يتراجع بالطريقة التي تراجعت بها الضجة المحيطة به. فهو لا يزال لاعبًا يستحق أن تدفع ثمن التذكرة لمشاهدته، كما لا يزال ميامي فريقًا يستحق المتابعة بسبب وجوده.
لطالما حمل الدوري الأميركي سمعة، تكون مستحقة أحيانًا، باعتباره «دوريًا للاعتزال». إلا أن السمعة نفسها تمنح جماهير كرة القدم في أميركا الشمالية فرصة ربما لم تكن لتتاح للكثير منهم بطريقة أخرى: مشاهدة أحد أعظم لاعبي العالم مباشرة ومن مسافة قريبة، وبتكلفة أقل نسبيًا مما كان يتطلبه الأمر خلال سنوات تألقه في أوروبا.

مر على الدوري الأميركي من قبل نجوم كبار، من أمثال تييري هنري وديفيد بيكهام، وقدم هؤلاء لحظات استثنائية خلال تجاربهم هناك. غير أن تلك اللحظات كانت تظهر بصورة متقطعة.

ميسي مختلف... فهو لا يزال قادرًا على إنتاج تلك اللحظات بصورة شبه مستمرة، وكأن الجماهير اعتادت على الاستثنائي فقط لأن صاحبه يكرره أمامها.

لم يعد نجم ميسي يسطع بالقوة نفسها التي كان عليها خلال سنوات برشلونة، وربما حتى بالقوة التي كان عليها قبل أشهر قليلة فقط عندما كان يرتدي قميص الأرجنتين. إلا أن الضوء الذي لا يزال يصدر عنه في ميامي، حتى وإن أصبح أخفت وأكثر ندرة، ما زال يستحق المشاهدة.

واعتزاله اللعب الدولي، أول خروج له، والذي يبدو نهائيًا، من أحد أكبر مسارح كرة القدم العالمية، يقدم تذكيرًا في الوقت المناسب: الأشياء العظيمة لا تستمر إلى الأبد.

ومهما بدا وجود ميسي في الملاعب أمرًا اعتياديًا بعد كل هذه السنوات، فإن اللحظة التي لن يكون فيها موجودًا تقترب.
ولهذا، شاهدوا ميسي ما دمتم تستطيعون.