​ربما بدأت بعض حروبنا من جملة لم ننطقها بصوت عالٍ: «إمّا أن تصبح مثلي ؛ أو تصبح مشكلة». نريد الآخر أن يفكر مثلنا، ويؤمن بما نؤمن، ويرى الحياة من النافذة نفسها التي نقف خلفها، فإذا اختلف لم نسأل: ماذا يرى؟ بل سألنا: أين أخطأ؟ وهنا تبدأ المسافة الخطرة بين الإنسان والإنسان. 

فالشجرة لا تطلب من العصفور أن يصبح شجرة كي تمنحه ظلها، والنهر لا يسأل العابر عن اسمه قبل أن يمنحه الماء، والشمس لا تراجع هويات الناس قبل أن تدخل نوافذهم، فلماذا يصعب علينا نحن البشر أن نمنح بعضنا حق الاختلاف؟ التعايش ليس أن أتحمّلك على مضض، ولا أن أسمح لك بالوجود ما دمت صامتًا، ولا أن أقول لك: «أنت حر» ثم أعاقبك حين تستخدم حريتك بطريقة لا تشبهني؛ التعايش أعمق من ذلك بكثير: ألا أطلب منك أن تصغر لكي أتسع أنا. 

وهذه الثقافة لا تبدأ في المؤتمرات ولا على المكاتب الحكومية، بل في أماكن أصغر بكثير؛ تبدأ عندما يسمح الأب لابنه أن يقول: «لا أتفق معك» دون أن تتحول الجملة إلى تهمة بالعقوق، وعندما تحصل البنت والولد على الكرامة والفرصة نفسيهما داخل البيت، وفي المدرسة حين يتعلم الطفل أن زميله المختلف ليس خطأً يحتاج إلى تصحيح، وفي مكان العمل حين تصبح الكفاءة أهم من الاسم والانتماء والخلفية، وتصل إلى الدولة عندما لا يحتاج المواطن إلى إثبات أنه يشبه الأغلبية كي يستحق كامل حقوقه. فالأوطان لا تنهار لأن أبناءها مختلفون؛ إنها تتصدع عندما يتحول الاختلاف من حقيقة طبيعية إلى سبب للتمييز والإقصاء. 

ولهذا فإن بناء التعايش لا يحتاج شعارات ضخمة بقدر ما يحتاج عادات صغيرة تتكرر كل يوم: أن نستمع قبل أن نحكم، ونسأل قبل أن نتهم، ونفصل بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، وأن نعلّم أطفالنا معرفة المختلف بدل الخوف منه، وأن نصنع في المدارس والأحياء وأماكن العمل مساحات يلتقي فيها الناس حول خدمة مشتركة؛ فالإنسان الذي زرعتَ معه شجرة، أو حملتَ معه صندوقًا، أو أصلحتَ معه شارعًا، أو شاركتَه حل مشكلة، يصبح أصعب عليك أن تختصره غدًا في طائفته أو منطقته أو معتقده. وربما علينا أن نضيف سؤالًا جديدًا إلى تربيتنا: ليس فقط كيف نعلّم أبناءنا أن يكونوا صالحين؟ بل كيف نعلّمهم أن يعيشوا بأمان مع إنسان صالح لا يشبههم؟ فالتعايش لا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا، وإنما أن نتخلى عن وهم أخطر: أن الحقيقة لا تتسع إلا لصوتنا، وأن الوطن لا يتسع إلا لنسختنا. نحن لا نحتاج مجتمعًا من المرايا يرى فيه كل واحد صورته مكررة آلاف المرات؛ نحن نحتاج حديقة، وفي الحديقة لا تسأل الوردة الياسمينة لماذا لا تحمل لونها، ولا تُتهم شجرة الرمان بالخيانة لأنها لم تُثمر تفاحًا؛ كل واحدة تختلف، لكنها جميعًا تضرب جذورها في الأرض نفسها وتفتح أغصانها نحو السماء نفسها. ولعلّ أجمل تعريف للتعايش ليس أن أقول لك: «سأسمح لك أن تعيش بجانبي»، فمَن أعطاني أصلًا سلطة أن أسمح لك بالحياة؟ بل أن أقول: لا أريد منك أن تصبح مثلي كي أحترمك؛ أريدك أن تكون أنت، وأن نبني معًا شيئًا أكبر من كلينا. فالوطن الحقيقي ليس المكان الذي نجح في جعل أبنائه متشابهين، بل المكان الذي حقق أصعب انتصار حضاري: أن جعل اختلافهم آمنًا.