> «الأيام» العرب:
احتفظت كهوف شمال السعودية بمعلومة تتجاوز قيمة البقايا الحيوانية التي عُثر عليها داخلها، بعدما تحولت أجساد فهود حفظتها الطبيعة إلى سجل وراثي يعيد رسم جزء من تاريخ الحياة البرية في شبه الجزيرة العربية. فالتحليل الجيني لمومياوات فهود عُثر عليها قرب عرعر كشف أن المنطقة عرفت أكثر من سلالة من الفهد الصياد، في نتيجة تفتح الباب أمام قراءة جديدة لتاريخ هذا الحيوان الذي اختفى من البرية السعودية منذ عقود.
القيمة العلمية للاكتشاف لم تكن في عدد الفهود وحده، بل في قدرتها على الاحتفاظ بمادة وراثية قابلة للتحليل. ومن بين المومياوات السبع، تمكن الباحثون من الحصول على تسلسلات جينومية كاملة لثلاث عينات، وهو ما سمح بمقارنتها مع السلالات المعروفة من الفهد الصياد ورسم صلاتها الوراثية.
والنتيجة الأكثر إثارة ظهرت عند مقارنة العينات القديمة؛ إذ تبين أن اثنتين من أقدم المومياوات ترتبطان وراثيًا بصورة أوثق بالفهد الصياد في شمال غرب أفريقيا، المعروف علميًا باسم الفهد الصياد الشمال أفريقي، وليس بالفهد الآسيوي وحده كما كان الاعتقاد السائد بشأن الفهود التي عاشت تاريخيًا في الجزيرة العربية.
أما الفهد الآسيوي، المعروف علميًا باسم الفهد الصياد الآسيوي، فيمثل خطًا وراثيًا مختلفًا، وكان يُنظر إليه لفترة طويلة باعتباره السلالة التي ارتبط بها وجود الفهود في المنطقة. وتكتسب المقارنة أهمية خاصة لأن الفهد الآسيوي أصبح اليوم من أكثر السلالات تعرضًا للخطر، مع بقاء أعداد برية محدودة للغاية خارج السعودية.
بهذا المعنى، لا يقدم الاكتشاف مجرد معلومة عن نوع من الحيوانات، وإنما يضيف احتمالًا جديدًا إلى تاريخ التنقل والانتشار الحيواني في الجزيرة العربية.
فالنتائج تشير إلى أن بيئة المنطقة كانت في فترات سابقة قادرة على استضافة خطوط وراثية مختلفة من الفهد الصياد، وهو ما يجعل الجزيرة العربية جزءًا مهمًا من قصة انتشار هذا الحيوان بين البيئات الأفريقية والآسيوية.
الفهد الصياد في شمال غرب أفريقيا، أو الفهد الصياد الشمال أفريقي، يمثل اليوم واحدًا من أكثر خطوط الفهد الصياد ندرة، ولذلك فإن العثور على بصمة وراثية قريبة منه في بقايا سعودية قديمة يضيف بعدًا جديدًا إلى دراسة تاريخ هذا النويع.
ولا يعني ذلك أن الفهود الحالية في شمال غرب أفريقيا جاءت مباشرة إلى السعودية، بل إن التشابه الجيني يوضح وجود صلة تطورية بين العينات القديمة وهذا الخط الوراثي.
كما أن الكهوف نفسها أصبحت عنصرًا أساسيًا في القصة العلمية. فبدل أن تكون مجرد أماكن عثر فيها الباحثون على بقايا حيوانات نافقة، تحولت إلى أرشيف طبيعي حفظ معلومات يصعب العثور عليها في البيئات المفتوحة، حيث تتعرض الجثث سريعًا للتحلل والعوامل المناخية والحيوانات الأخرى.
وتفتح هذه النتائج نقاشًا يتجاوز الماضي نحو المستقبل. فمعرفة السلالات التي عاشت تاريخيًا في الجزيرة العربية يمكن أن تكون ذات قيمة عند دراسة أي مشروع محتمل لإعادة توطين الفهود في المنطقة، لأن اختيار الحيوانات المناسبة لا يتعلق بالقدرة على البقاء في البيئة فقط، وإنما يرتبط أيضًا بالتراث الوراثي للحيوانات التي كانت تعيش فيها سابقًا. وقد أشارت الدراسة إلى أن النتائج يمكن أن تساعد في توجيه جهود إعادة التوطين مستقبلًا.
لكن إعادة الفهد إلى موطنه التاريخي لا تختصر في العثور على سلالة مناسبة. فالنجاح يحتاج إلى موائل قادرة على دعم الحيوان، وفرائس كافية، وحماية مستمرة من التهديدات البشرية، إلى جانب إدارة التنوع الوراثي للقطعان التي يمكن تأسيسها. ولهذا يصبح الحمض النووي أداة مساعدة في التخطيط، وليس وصفة جاهزة لإعادة الحيوان إلى البرية.
وتمنح الدراسة كذلك الباحثين فرصة لفهم كيفية تغير نطاق الفهد عبر الزمن. فالحيوان الذي كان ينتشر قديمًا على مساحات واسعة من أفريقيا وآسيا تقلص نطاقه بشدة، وأصبح وجوده اليوم أكثر محدودية من ماضيه. وفي شبه الجزيرة العربية، اختفى الفهد الصياد من البرية منذ عقود، ما يجعل كل أثر محفوظ له مصدرًا مهمًا لفهم أسباب التراجع والانقراض المحلي.
الأكثر لفتًا أن هذه القصة لم تبدأ من مختبر متقدم، وإنما من كهوف صحراوية أخفت آثارها لسنوات طويلة. وعندما وصلت البقايا إلى المختبر، تمكن العلماء من تحويل ما يبدو للوهلة الأولى مجرد هياكل وجلود جافة إلى بيانات جينية تحمل معلومات عن أصل الحيوانات وعلاقاتها بالسلالات الأخرى.
وبذلك أصبحت مومياوات الفهود السبع أكثر من اكتشاف أثري أو بيئي؛ فهي تقدم نافذة نادرة على الحياة البرية القديمة في السعودية، وتكشف أن تاريخ الفهد في الجزيرة العربية كان أكثر تنوعًا مما افترضته التصورات السابقة. وبينما يواصل العلماء دراسة هذه البقايا، قد تحمل العينات المحفوظة تفاصيل إضافية عن زمن وصول السلالات المختلفة إلى المنطقة، ومسارات انتشارها، والظروف التي سمحت لها بالبقاء ثم الاختفاء.















