> كتب/ المرقب السياسي:

  • قضية تحسين الخدمات أصبحت جزاء أساسيا من معركة الصمود
  • عدن تحملت لسنوات أعباء تفوق طاقتها دون تلبية احتياجاتها
  • التعامل مع عدن بمنطق التدخل المؤقت والمسكنات فاقم الأزمات
  • موجات نزوح جديدة نحو المحافظات المحررة وفي مقدمتها عدن

>لم تعد المطالبة بتحسين الخدمات في العاصمة عدن قضية معيشية منفصلة عن تطورات الحرب، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معركة الاستقرار والصمود. فالمدينة المرشحة لتحمل النتائج المباشرة لأي توسع في المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين لا تزال تعاني هشاشة واضحة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والصرف الصحي، في وقت تُدار فيه سلطتها المحلية بصلاحيات محدودة وموارد لا تتناسب مع مسؤولياتها المتزايدة.

وأي قراءة واقعية لمسار الأحداث تفرض الاستعداد لاحتمال انتقال الحرب إلى مرحلة أشد اتساعًا، بما قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة من مناطق المواجهات نحو المحافظات المحررة، وفي مقدمتها عدن. فالمدينة تمثل مركزًا سياسيًا وإداريًا واقتصاديًا، وتضم المطار والميناء والمؤسسات الحكومية والمستشفيات الرئيسية، ولذلك ستكون الوجهة الطبيعية للنازحين والجرحى والباحثين عن الخدمات والأمان. 

المشكلة أن عدن تتحمل منذ سنوات أعباء تفوق طاقتها، من دون أن تحصل على استثمارات خدمية تعادل الزيادة السكانية التي شهدتها منذ اندلاع الحرب. فقد توسعت الأحياء والتجمعات السكانية، وارتفع الطلب على الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم والسكن، بينما بقيت غالبية شبكات البنية التحتية محكومة بقدرات قديمة، بعضها أُنشئ لخدمة عدد من السكان يقل كثيرًا عن العدد الموجود اليوم. 

ومع كل أزمة جديدة، يجري التعامل مع عدن بمنطق التدخل المؤقت: شحنة وقود عاجلة، أو مولدات إسعافية، أو أدوية محدودة، أو حملة نظافة مرتبطة بظرف طارئ. غير أن المدينة لا تحتاج إلى المزيد من المسكنات، وإنما إلى سياسة دولة تعترف بأن حماية عدن وتعزيز قدرتها على الصمود يمثلان ضرورة سياسية وأمنية وإنسانية. 

إن انهيار الكهرباء، على سبيل المثال، لا يعني بقاء المنازل في الظلام فقط، بل يؤدي إلى تعطيل المستشفيات ومحطات ضخ المياه وشبكات الصرف الصحي والمخابز والمنشآت التجارية ومراكز الاتصالات. كما ينعكس مباشرة على الوضع الأمني، ويرفع مستوى الاحتقان الشعبي، ويخلق بيئة مناسبة للفوضى والاستغلال السياسي. ولهذا، ينبغي إخراج ملف كهرباء عدن من دائرة المعالجات اليومية والوعود المتكررة، والانتقال إلى بناء منظومة مستقرة تعتمد على توليد مستدام، وصيانة دورية، ومخزون كافٍ من الوقود، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد، والتوسع في الطاقة المتجددة. 

ويجب أن تتمتع المنشآت الحيوية، وفي مقدمتها المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي، بمصادر طاقة مستقلة تضمن استمرار عملها في حالات الحرب والطوارئ. أما القطاع الصحي، فهو يقف أصلًا أمام ضغوط تفوق قدرته الاستيعابية. فمستشفيات عدن لا تخدم سكان المحافظة وحدهم، بل تستقبل مرضى وجرحى من محافظات عدة. 

وإذا شهدت الجبهات تصعيدًا واسعًا، فإن هذه المنشآت ستكون مطالبة باستقبال أعداد إضافية من المصابين والنازحين، في ظل نقص الأسرة والأدوية والمستلزمات والأطقم المتخصصة ومراكز العناية المركزة. من هنا، تصبح إعادة تأهيل المستشفيات العامة، ورفع قدرتها الاستيعابية، وتجهيز مراكز للطوارئ، وتأمين مخزون استراتيجي من الأدوية والأكسجين والمستلزمات الجراحية، من ضرورات الأمن الوطني، وليست مجرد مطالب تخص مكتب الصحة أو السلطة المحلية. ولا يقل وضع المياه خطورة. 

فالمدينة تعاني شبكة متهالكة وفاقدًا مرتفعًا واعتمادًا كبيرًا على الكهرباء لتشغيل الآبار ومحطات الضخ. وأي موجة نزوح واسعة ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الاستهلاك، وقد تفتح الباب أمام أزمة مياه حادة وانتشار الأمراض، خصوصًا في الأحياء الفقيرة والتجمعات العشوائية ومواقع إيواء النازحين. ويقتضي ذلك حماية حقول المياه، وتوفير الطاقة المستقلة لمحطات الضخ، وتجديد الشبكات المتضررة، وإنشاء خزانات استراتيجية، والبحث عن مصادر إضافية وفق دراسات علمية تحافظ على المخزون الجوفي. 

كما يجب التعامل مع الصرف الصحي والنظافة بوصفهما جزءًا من منظومة الوقاية من الأوبئة، وليس باعتبارهما خدمات بلدية ثانوية. 

لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن مطالبة السلطة المحلية في عدن بتحمل كل هذه المسؤوليات، بينما لا تزال عاجزة عن التحكم الكامل بمواردها واتخاذ القرارات اللازمة في الوقت المناسب؟ لقد أثبتت سنوات الحرب أن المركزية المفرطة لم تعد مناسبة لإدارة مدينة تواجه أزمات يومية ومتلاحقة. فانتظار الموافقات والاعتمادات المركزية للحصول على الوقود أو تنفيذ الصيانة أو شراء المعدات يحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة عامة. كما أن سحب الإيرادات من المحافظة، من دون إعادة ما يكفي منها لتغطية احتياجاتها، يجعل السلطة المحلية مسؤولة أمام المواطنين من الناحية السياسية، لكنها محدودة القدرة من الناحية الفعلية. 

إن تمكين السلطة المحلية من صلاحياتها القانونية لا يشكل انتقاصًا من سلطة الدولة، بل يعزز قدرتها على العمل. فالدولة لا تقوى بإضعاف السلطات المحلية، وإنما بتوزيع المسؤوليات والموارد على نحو يتيح اتخاذ القرار من الجهة الأقرب إلى احتياجات المواطنين. ويجب أن يشمل هذا التمكين احتفاظ عدن بنسبة عادلة ومعلومة من إيراداتها، ووضع موازنة استثنائية تتناسب مع مكانتها وعدد سكانها وأعداد الوافدين إليها، ومنح السلطة المحلية صلاحية إدارة قطاعات الخدمات والتعاقد في حالات الطوارئ، مع إخضاع جميع العمليات للرقابة والمراجعة ونشر البيانات المالية للرأي العام. ولا يمكن الدفاع عن المركزية بذريعة مكافحة الفساد، لأن الفساد لا يُعالج بحرمان المحافظة من الصلاحيات، بل ببناء أجهزة رقابة محلية ومركزية فعالة، وإعلان الإيرادات والمصروفات، وربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، ومحاسبة كل مسؤول يسيء استخدام المال العام. 

كما تحتاج عدن إلى صندوق طوارئ دائم لمواجهة الكوارث والحرب والنزوح، تُخصص له موارد حكومية ومحلية ودولية، ويعمل وفق قواعد واضحة وتحت رقابة مستقلة. فمواجهة النزوح بعد وقوعه من دون تمويل أو بيانات أو مواقع إيواء مجهزة تعني ترك المدينة أمام الفوضى، وتحميل المجتمعات المحلية أعباء لا تستطيع احتمالها. 

ومن الضروري كذلك إنشاء مركز موحد لإدارة الأزمات يضم السلطة المحلية وقطاعات الكهرباء والمياه والصحة والأمن والدفاع المدني والمنظمات الإنسانية. ويتولى هذا المركز تحديد مواقع الإيواء، وتقدير القدرة الاستيعابية لكل مديرية، وتسجيل النازحين، وتخزين المواد الضرورية، وتنسيق الاستجابة ومنع ازدواجية توزيع المساعدات. 

إن مسؤولية الاستعداد لا تقع على عدن وحدها. فالحكومة مطالبة بإعداد خطة وطنية لاستيعاب النزوح المحتمل، كما أن الأمم المتحدة والدول المانحة مطالبة بإعادة النظر في طبيعة دعمها. فلا يكفي توزيع مساعدات مؤقتة على النازحين، بينما تنهار شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي في المدن التي تستقبلهم. 

والمطلوب هو ربط كل استجابة إنسانية بمشروعات دائمة لتوسيع البنية التحتية. فعندما تستقبل مديرية آلاف النازحين، يجب أن تحصل على مدارس ومراكز صحية وخزانات مياه وشبكات صرف وقدرات كهربائية إضافية، بدلًا من ترك السكان والنازحين يتنافسون على خدمات محدودة، بما يخلق توترات اجتماعية خطيرة. عدن لا تستطيع أن تظل عاصمة عند توزيع المسؤوليات، ومحافظة عادية عند توزيع الموارد والصلاحيات. 

ولا يجوز أن يُطلب منها استيعاب مؤسسات الدولة والنازحين والجرحى والوافدين، ثم تُترك تواجه أزماتها بأدوات مالية وإدارية محدودة. إن تحصين عدن بالخدمات ليس ترفًا ولا استجابة لضغط شعبي عابر، بل يمثل خط الدفاع الأول عن الاستقرار السياسي في المناطق المحررة. فالعاصمة التي تنقطع عنها الكهرباء والمياه، وتعجز مستشفياتها عن استقبال المرضى، ستصبح أكثر عرضة للاضطراب من أي مدينة أخرى. 

وإذا كانت تطورات الحرب تنذر بصدمات جديدة، فإن الاستعداد لها يجب أن يبدأ الآن. وذلك يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح عدن مواردها وصلاحياتها، ويضع قطاعات الكهرباء والمياه والصحة في مقدمة متطلبات الصمود. فالحروب لا تُحسم في الجبهات وحدها، بل في قدرة المدن الواقعة خلفها على البقاء متماسكة، وتقديم الخدمات، واستيعاب النازحين، ومنع الانهيار الاجتماعي. 

وإذا أُريد لعدن أن تقوم بدورها عاصمةً وحاضنةً للدولة والمجتمع، فلا بد أولًا من تمكينها من حماية نفسها وسكانها.