> «الأيام» العرب:
مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، وعودة المعارك إلى جبهات ذات أهمية استراتيجية في الساحل الغربي وتعز، يجد المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد موقفه من الحرب.
فكلما اتسعت العمليات واقتربت من مناطق ذات أهمية بالنسبة إلى الجنوب، يصبح السؤال حول الحياد أكثر إلحاحًا: هل يستطيع الانتقالي مواصلة النأي بقواته، أم أن تطورات الميدان قد تدفعه في النهاية إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين؟
المعركة الحالية لا تجري في فراغ. فالقوات الحكومية والقوات المشتركة حققت تقدمًا في جبهات غربي اليمن، واستعادت السيطرة على حيس في الحديدة، فيما تواصلت المواجهات في تعز ومناطق أخرى وسط خسائر كبيرة.
كما تشير تقارير إلى أن قوات العمالقة عادت إلى مسرح العمليات بوصفها قوة دعم في الساحل الغربي، وهو ما يضع القوات الجنوبية بصورة غير مباشرة أمام تطورات الحرب المتسارعة.
وهنا تبرز معضلة الانتقالي: هل يكون دعم القوات الحكومية هو الخيار الأكثر عقلانية، أم أن الاحتفاظ بالقوات بعيداً عن المعارك يظل أفضل إلى أن تصبح المواجهة مع الحوثيين مباشرة؟.
يمكن للانتقالي أن يرى في الحياد خياراً عملياً يحافظ من خلاله على قدراته العسكرية، ويمنع استنزاف القوات الجنوبية في معارك لا تزال أهدافها السياسية النهائية غير واضحة. وهذا الاعتبار مهم بالنسبة إلى قيادة جنوبية تدرك أن قواتها ليست مجرد تشكيل عسكري، وإنما إحدى أدوات القوة الأساسية التي يمكن أن تحدد شكل التسوية السياسية المقبلة.
لكن المشكلة أن الحياد لا يعني بالضرورة الابتعاد عن تداعيات الحرب. فإذا تمكن الحوثيون من تحقيق اختراقات ميدانية واسعة، أو الوصول إلى مناطق تغير خطوط التماس القائمة، فقد تجد القوات الجنوبية نفسها أمام تهديد مختلف: ليس المشاركة في حرب شمالية، وإنما التعامل مع قوة عسكرية أصبحت أقرب إلى مناطق نفوذها ومصالحها الاستراتيجية.
وهنا يتحول السؤال من هل نشارك في الحرب؟ إلى متى تصبح الحرب مفروضة علينا؟.
هذه النقطة تحديدًا تجعل قرار الانتقالي أكثر صعوبة. فالتدخل المبكر إلى جانب القوات الحكومية قد يحمل كلفة سياسية وعسكرية، لكن الانتظار حتى وصول المعارك إلى مناطق حساسة قد يجعل كلفة التدخل أكبر، ويقلل في الوقت نفسه من قدرة القوات الجنوبية على اختيار توقيت المواجهة وشروطها.
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله. فالمشهد اليمني لم يعد قائمًا على ثنائية بسيطة بين الحكومة والحوثيين، بل يضم قوى وتشكيلات عسكرية وسياسية متعددة. والمجلس الانتقالي نفسه كان جزءًا من مجلس القيادة الرئاسي، بينما يشغل قياديون جنوبيون مواقع داخل مؤسسات الشرعية، ما يجعل الفصل الكامل بين مشروع الجنوب ومؤسسات الدولة اليمنية أمرًا أكثر تعقيدًا.
وقد أكد مجلس القيادة الرئاسي في أغسطس الماضي جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية للقيام بمهامها، واستعادة مؤسسات الدولة، ورفع كلفة التصعيد الحوثي.
من هنا، يمكن النظر إلى دعم القوات الحكومية باعتباره خيارًا ينسجم مع موقع بعض القيادات الجنوبية داخل مؤسسات الشرعية، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا سياسيًا حساسًا: هل تستطيع القيادة الجنوبية أن تدعم الحرب عسكريًا من دون أن تبدو وكأنها تضع القضية الجنوبية في المرتبة الثانية؟.
هذا السؤال مهم لأن الحسابات العسكرية لا تنفصل عن المزاج السياسي في الجنوب. فالفعاليات الجماهيرية الأخيرة التي نظمها أنصار الانتقالي في عدن وحضرموت حملت رسائل واضحة حول أهمية القوات الجنوبية والحفاظ عليها، بما يعكس حساسية أي قرار يتعلق بإعادة توزيع هذه القوات أو إدخالها في معارك واسعة خارج مناطق انتشارها الأساسية.
السيناريو الأكثر تعقيداً هو أن يستمر الحوثيون في التقدم أو توسيع نطاق عملياتهم باتجاه مناطق تجعل خطوط التماس أقرب إلى الجنوب. عندها قد يفقد الانتقالي القدرة على الاستمرار في سياسة المراقبة من بعيد.
فإذا أصبحت مناطق استراتيجية جنوبية مهددة، فإن عدم التدخل لن يعود مجرد خيار سياسي، بل قد يتحول إلى مخاطرة عسكرية. وفي المقابل، فإن دخول القوات الجنوبية في هذه اللحظة قد يكون أكثر كلفة، لأنها ستقاتل تحت ضغط زمني وميداني أكبر، بدلاً من اختيار ظروف المشاركة في وقت مبكر.
ولهذا فإن المعادلة التي تواجه الانتقالي ليست بين الحرب والسلام بقدر ما هي بين التدخل المحسوب الآن والمواجهة المفروضة لاحقاً.
ولا يعني ذلك أن التدخل إلى جانب القوات الحكومية هو بالضرورة الخيار الأفضل. فالحرب اليمنية أثبتت أن الانتصار في جبهة لا يؤدي تلقائياً إلى تسوية سياسية، وأن أي توسع عسكري يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى بين الأطراف المناهضة للحوثيين نفسها.
كما أن فتح جبهة جديدة أمام القوات الجنوبية قد يمنح الحوثيين فرصة لتوسيع الصراع واستنزاف خصومهم، بدلاً من حسم المعركة لمصلحة الحكومة. ولذلك فإن قرار المشاركة يحتاج إلى أهداف واضحة، وسقف محدد، وضمانات سياسية تمنع تحول القوات الجنوبية إلى قوة مستنزفة في حرب مفتوحة.
ربما يكون التحدي الأكبر أمام المجلس الانتقالي هو الحفاظ على التوازن بين وظيفتين: القوة العسكرية التي تحمي الجنوب، والدور السياسي الذي يريد من خلاله ضمان حضور القضية الجنوبية في أي تسوية مقبلة.
فالقوات الجنوبية تمثل بالنسبة إلى أنصار الانتقالي رصيدًا استراتيجيًا لا ينبغي التفريط به في معارك لا تخدم بصورة مباشرة أهداف الجنوب. وفي الوقت نفسه، فإن السماح للحوثيين بتحقيق تقدم واسع قد يخلق واقعًا عسكريًا جديدًا يصعب على الجنوب تجاهله أو احتواؤه لاحقاً.
لذلك، قد لا يكون الخيار بين الحياد والمشاركة خيارًا نهائيًا. فالانتقالي يستطيع الاحتفاظ بموقف حذر في المرحلة الحالية، مع إبقاء قواته في حالة جاهزية، وربط أي تدخل محتمل بتطورات ميدانية واضحة، خصوصًا إذا انتقلت المعركة من مناطق بعيدة إلى مناطق تمس الأمن المباشر للجنوب.
وفي النهاية، فإن نجاح هذه السياسة سيعتمد على قدرة القيادة الجنوبية على الإجابة مبكرًا عن سؤال يبدو بسيطًا لكنه شديد التعقيد: ما الحد الذي عنده ينتهي الحياد ويبدأ الدفاع المباشر؟.
فإذا بقيت المعارك في إطار الضغط على الحوثيين بعيدًا عن مناطق الجنوب، قد يكون الاحتفاظ بالقوة خيارًا منطقيًا. أما إذا اتسعت المواجهة وأصبحت المناطق الاستراتيجية الجنوبية جزءًا من الحساب العسكري، فقد يصبح الانتظار أكثر كلفة من التدخل.















