> عتق «الأيام» تقرير خاص:
في مشهد يعكس حجم الترقب السياسي والشعبي الذي يحيط بمحافظة شبوة، برزت خلال الساعات الماضية رسائل وتحذيرات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، حملت في مضمونها دعوات صريحة إلى إعادة النظر في وضع المحافظة، وتغيير محافظها قبل أن تتسع دائرة التداعيات، في ظل حديث عن مخاوف من دخول شبوة مرحلة جديدة من التوتر والاضطراب.
وتأتي هذه الرسائل في وقت تبدو فيه شبوة أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى الحكمة السياسية، والقراءة الهادئة لمجمل التطورات، بعيدًا عن لغة التصعيد أو ردود الأفعال المتسرعة.
ومن بين أبرز ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي رسالة موجهة إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، تضمنت دعوة إلى تغيير محافظ شبوة قبل وقوع ما وصفه صاحب الرسالة بـ"الضربة الثانية بعد المخا"، في إشارة تحمل دلالات سياسية كبيرة، وتوحي بأن بقاء الوضع على حاله قد يقود – بحسب وجهة نظر صاحب الرسالة – إلى نتائج يصعب احتواؤها لاحقًا.
وفي منشور آخر حمل عنوان "نصيحة استباقية"، وردت دعوة إلى تغيير محافظ شبوة قبل أن تشهد المحافظة إعادة تموضع جديدة، مع تحذير من احتمال وقوع "كارثة جديدة"، والدعوة إلى تسليم المحافظة لقائد عسكري من الميدان.
ورغم أن هذه الطروحات تعبّر عن آراء أصحابها ولا تمثل بالضرورة موقفًا رسميًا أو قرارًا صادرًا عن جهة حكومية، فإن تزامنها وتكرار مضمونها يستحقان التوقف أمامهما، خصوصًا أن شبوة ليست محافظة عادية في المعادلة اليمنية، بل واحدة من أكثر المحافظات ارتباطًا بالثروات النفطية والغازية، والممرات البحرية، والموقع الجغرافي والاستراتيجي، فضلًا عن ثقلها الاجتماعي والقبلي والسياسي.
- شبوة.. المحافظة التي لا تحتمل المغامرة
لقد أثبتت السنوات الماضية أن شبوة قادرة على تجاوز الأزمات عندما تتقدم لغة العقل، لكنها في الوقت ذاته أثبتت أن أي توتر فيها لا يبقى محصورًا داخل حدودها الإدارية، بل سرعان ما تتسع تداعياته لتصل إلى المشهد اليمني العام.
ولهذا فإن الحديث عن تغيير قيادة المحافظة أو إعادة ترتيب أوضاعها لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الأسماء والمناصب، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بمستقبل الاستقرار، وطبيعة الإدارة المحلية، وعلاقة السلطة بالمجتمع، وكيفية إدارة الملفات الأمنية والسياسية والخدمية والاقتصادية.
- هل نحن أمام تغيير إداري أم إعادة تموضع سياسي؟
السؤال الأهم الذي تفرضه هذه المنشورات ليس فقط: هل سيتم تغيير محافظ شبوة؟ وإنما: ما طبيعة المرحلة المقبلة التي تنتظرها المحافظة؟.
فإذا كان الحديث عن تغيير إداري، فإن المطلوب أن يكون التغيير جزءًا من رؤية واضحة لإصلاح الأداء، وتحسين الخدمات، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومعالجة الاختلالات، وفتح صفحة جديدة مع مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية.
أما إذا كان الأمر مرتبطًا بإعادة تموضع سياسي أو أمني، فإن المسؤولية تصبح أكبر، لأن شبوة لا تحتمل أن تتحول إلى ساحة لتجاذبات جديدة، أو أن يدفع أبناؤها ثمن صراعات لا علاقة لهم بصناعة قراراتها.
- الميدان وحده لا يكفي.. والسياسة وحدها لا تكفي
الدعوة إلى تسليم قيادة المحافظة إلى قائد عسكري من الميدان، كما ورد في المنشور المتداول، تعكس تصورًا يرى أن المرحلة تحتاج إلى شخصية تمتلك القدرة على فرض الاستقرار وحسم الملفات.
لكن التجربة اليمنية عمومًا تؤكد أن الأمن المستدام لا يصنعه السلاح وحده، كما أن الإدارة المدنية الناجحة لا تقوم على الخطاب السياسي وحده.
شبوة بحاجة إلى معادلة متوازنة تجمع بين هيبة الدولة، وكفاءة الإدارة، وحضور المؤسسات، واحترام المجتمع، والحفاظ على السلم الأهلي.
- أبناء شبوة يريدون دولة وخدمات واستقرارًا
وبعيدًا عن صخب السياسة، يبقى المواطن الشبواني هو الطرف الذي ينتظر من السلطة إجابات واضحة عن الأسئلة الأكثر إلحاحًا: أين الخدمات؟ أين التنمية؟ أين فرص العمل؟ أين تحسين البنية التحتية؟ أين المؤسسات الفاعلة؟ وكيف يمكن أن تتحول موارد المحافظة وثرواتها إلى مشاريع تنعكس على حياة أبنائها؟.
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تتصدر أي نقاش حول مستقبل شبوة.
- الرسائل الاستباقية.. جرس إنذار أم ضغط سياسي؟
من الطبيعي أن تثير مثل هذه المنشورات نقاشًا واسعًا، لكن من المهم التعامل معها بمسؤولية، فلا ينبغي تحويل التحذيرات غير الرسمية إلى حقائق مؤكدة، ولا ينبغي في الوقت ذاته تجاهلها إذا كانت تعكس حالة قلق حقيقية داخل المجتمع أو لدى بعض الأطراف السياسية.
وبين اعتبارها جرس إنذار وبين اعتبارها رسائل ضغط سياسي، تبقى الحقيقة الكاملة بحاجة إلى معلومات رسمية ووقائع موثوقة.
- شبوة تحتاج إلى قرار يحميها لا إلى قرار يزيد انقسامها
إن أي قرار يتعلق بمستقبل شبوة يجب أن يكون هدفه الأول حماية المحافظة وأهلها، وليس إدخالها في دورة جديدة من الصراع.
فالتغيير حين يكون ضرورة، يجب أن يأتي في وقته وبأهداف واضحة، وأن يفتح الطريق أمام مرحلة أكثر استقرارًا، لا أن يكون مجرد تبديل أسماء ومواقع.
وشبوة اليوم بحاجة إلى قرار سياسي شجاع، لكنه في الوقت ذاته قرار حكيم ومسؤول؛ قرار يضع مصلحة المحافظة فوق الحسابات الضيقة، ويمنح أبناءها أملًا حقيقيًا بأن القادم سيكون أفضل.
وفي النهاية، فإن الرسائل التي ظهرت خلال الساعات الماضية، بما حملته من تحذيرات ودعوات إلى تغيير قيادة المحافظة، ينبغي ألا تُقابل بالتهويل أو الاستهانة، بل بالقراءة الجادة والمسؤولة.
فشبوة ليست مجرد محافظة على خارطة اليمن؛ إنها أرض الثروة والتاريخ والإنسان، وأي اضطراب فيها ستكون كلفته أكبر من حدودها، وأي استقرار فيها يمكن أن يكون رافعة مهمة لمستقبل اليمن كله.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام القيادة السياسية: هل تحتاج شبوة إلى تغيير عاجل في القيادة، أم إلى مراجعة شاملة لطريقة إدارة المحافظة وملفاتها؟.















