> «الأيام» غرفة الأخبار:
- السويس تستعيد الملاحة رغم مخاطر باب المندب
في مفارقة تختصر تعقيدات الحرب الإقليمية، بدأت قناة السويس تستعيد جزءًا من حركة الملاحة التجارية في الوقت الذي يزداد فيه الضغط الأمني حول باب المندب، البوابة الجنوبية التي ظلت لسنوات نقطة الخطر الرئيسية أمام السفن المتجهة إلى القناة. وأعلنت شركتا ميرسك وهاباغ-لويد، أمس، استئناف أربع خدمات حاويات إضافية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، في خطوة جديدة ضمن عودة تدريجية إلى الطريق الذي يربط آسيا بأوروبا.
ولا تعني الخطوة أن شركات الشحن باتت تعتبر البحر الأحمر ممرًا آمنًا بالكامل، بقدر ما تكشف عن تغير في الحسابات التجارية. فالدوران حول رأس الرجاء الصالح يضيف مسافة ووقتًا وتكاليف تشغيلية كبيرة، بينما تظل قناة السويس الطريق الأقصر والأكثر كفاءة بين آسيا وأوروبا. ولهذا بدأت شركات كبرى إعادة بعض خدماتها إلى المسار المصري، مع إبقاء قراراتها المقبلة مرتبطة بتطور الوضع الأمني في المنطقة.
وتأتي الخطوة الأخيرة ضمن مسار بدأ تدريجيًا خلال الأشهر الماضية. فقد أعادت ميرسك وهاباغ-لويد في يوليو وأغسطس بعض الخدمات إلى طريق السويس، قبل أن توسعا نطاق العودة بإضافة أربع خدمات إلى المسار العابر للسويس، لتنضم إلى خدمات أخرى كانت قد عادت بالفعل إلى القناة.
ويكشف هذا التطور عن معادلة جديدة في صناعة النقل البحري: الخطر لم يختفِ، لكن كلفة تجنبه أصبحت أكثر وضوحًا. فالإبحار حول أفريقيا يطيل الرحلة بين آسيا وأوروبا، ويرفع استهلاك الوقود وكلفة الطواقم والتشغيل، كما يفرض على شركات النقل إعادة تنظيم جداولها واستخدام عدد أكبر من السفن للحفاظ على وتيرة الرحلات. وفي المقابل، يسمح الطريق عبر البحر الأحمر وقناة السويس بتقليص زمن العبور والحفاظ على قدر أكبر من كفاءة الشبكات البحرية.
وتكتسب العودة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تضررت إيرادات قناتها بشدة خلال السنوات التي أدت فيها هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر إلى تحويل جزء كبير من حركة التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وأظهرت بيانات حديثة أن إيرادات قناة السويس بلغت نحو 4.67 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، بزيادة 23 في المئة، في مؤشر على أن القناة كانت قد بدأت بالفعل استعادة جزء من نشاطها قبل التطورات الأخيرة.
لكن عودة السفن في الوقت الذي يتقدم فيه الحوثيون على الساحل الغربي اليمني وتزداد المخاطر حول باب المندب تضع هذا التعافي أمام اختبار جديد. فالتطورات العسكرية في اليمن لم تعد محصورة في الداخل اليمني، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بحسابات شركات النقل والطاقة والتأمين. وتحذر الأسواق في الوقت نفسه من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين مع تصاعد المخاطر حول طرق نقل النفط والتجارة في البحر الأحمر.
وهنا تكمن المفارقة المصرية. فكلما استعادت شركات الشحن الثقة بقناة السويس، ارتفعت فرص استعادة مصر جزءًا أكبر من إيراداتها وموقعها في سلاسل التجارة العالمية. لكن هذه العودة لا تستطيع القاهرة التحكم في شروطها بالكامل، لأن العامل الحاسم يوجد خارج حدودها، عند باب المندب والساحل اليمني.
ومن زاوية أوسع، تعكس عودة السفن إلى السويس محاولة من التجارة العالمية للتكيف مع الخطر بدلًا من الاستسلام له. فالشركات لا تنتظر بالضرورة نهاية المخاطر حتى تعود، وإنما تقيسها مقابل الكلفة الاقتصادية للطرق البديلة، وتعيد توزيع خدماتها تدريجيًا بحسب مستوى المخاطر.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اعتبار التطور الحالي انتصارًا مصريًا كاملًا على أزمة البحر الأحمر، لكنه بالتأكيد إشارة إلى أن قناة السويس لم تفقد جاذبيتها الاستراتيجية. فحتى بعد سنوات من الاضطراب، لا يزال الطريق المصري قادرًا على استعادة موقعه متى أصبحت معادلة الوقت والكلفة أكثر أهمية من كلفة المخاطرة.














