نحن لا نواجه فقط ميليشيا مسلحة، وإنما نواجه آثار عملية طويلة لإعادة تشكيل وعي جيل كامل. جيل يتعلم أن المختلف خصم، وأن اليمن الآخر عدو، وأن العالم كله مؤامرة، وأن القوة هي اللغة الوحيدة الممكنة.
كلما تابعت المشاهد التي تخرج من ساحات القتال، ورأيت أولئك الأطفال وصغار السن الذين زجّت بهم ميليشيا الحوثي في المعارك، لا أعرف أيهما أشد حضورًا في داخلي: الفزع أم الحزن.
هؤلاء الصغار هم أولى ضحايا هذه الحرب، لكنهم في الوقت نفسه أخطر تحديات اليمن في حاضره ومستقبله.
فالطفل الذي لم يرَ في حياته، خلال عقد كامل، إلا عبد الملك الحوثي وخطابه، ولم يتغذَّ إلا على خطاب الكراهية والتعبئة والتمييز، ولم يتعلم أن الوطن يتسع للجميع، بل تعلم أن هناك جماعة واحدة تملك الحقيقة وأن الآخرين أعداء؛ ليس مجرد ضحية للحظة الراهنة، وإنما مأساة وقنبلة تمشي نحو المستقبل.
الأطفال الذين كانت أعمارهم ثماني سنوات وتسعًا وعشرًا حين بدأت هذه المأساة، أصبحوا اليوم في التاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين.
بعضهم تحول إلى مقاتل، وبعضهم تلقى تدريبًا عسكريًا، وبعضهم عاش سنوات طويلة في بيئة مغلقة على خطاب ديني وسياسي يقوم على الاصطفاء، وتقسيم المجتمع إلى مؤمنين وأعداء، وتصوير المشروع الحوثي وكأنه قدر إلهي لا يجوز الاعتراض عليه.
نحن لا نواجه فقط ميليشيا مسلحة، وإنما نواجه آثار عملية طويلة لإعادة تشكيل وعي جيل كامل. جيل يتعلم أن المختلف خصم، وأن اليمن الآخر عدو، وأن العالم كله مؤامرة، وأن القوة هي اللغة الوحيدة الممكنة.
إنه طفل اختُطف أولًا، ثم جرى تحويله إلى مقاتل.
لقد خسر اليمن خلال هذه السنوات أرواحًا وبيوتًا ومدنًا واقتصادًا ومؤسسات، لكن الخسارة الأعمق ربما تكون تلك التي لا تُرى بسهولة: خسارة الإنسان اليمني نفسه، وخسارة جيل كامل يجري تشكيل وعيه بعيدًا عن فكرة الدولة والمواطنة والتعدد.
إنها معركة على شكل اليمن الذي سيأتي بعد الحرب.
قد يسكت المدفع، لكن الكراهية ستظل تتحدث.
وقد تتوقف الجبهات، بينما تستمر الجبهة الأخطر: جبهة العقل والوعي.
لا بد أن تنتصر الدولة في هذه المواجهة العسكرية اليوم، من أجل إنقاذ حاضر مؤلم ومستقبل أهم.
ننتصر بقيم العدل والحق وبناء الدولة، لأننا نحتاج إلى المدرسة قبل البندقية، وإلى الكتاب قبل الشعار، وإلى الحوار قبل التعبئة، وإلى دولة يشعر فيها الطفل أن مستقبله لا يحتاج إلى أن يكون تابعًا لجماعة مسلحة كي يكون له مكان في وطنه.
الانتصار العسكري اليوم هو الخطوة الأولى نحو المهمة الأكبر: مهمة استعادة جيل.
فإن فشلنا في مواجهة هذا المشروع بكل أدوات السياسة والفكر والثقافة والإعلام والتعليم، فلن نخسر سنوات أخرى فقط.
وقد يستيقظ اليمن ذات صباح، بعد أن يكون غبار الحرب قد هدأ، ليكتشف أن الحرب لم تنتهِ؛ لأنها انتقلت من الجبهات إلى العقول، ومن الخنادق إلى البيوت، ومن جيل إلى جيل.
وهذا هو الخطر الذي يجب أن نراه الآن، قبل أن يصبح واقعًا يصعب إصلاحه.
«النهار» اللبنانية













