أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 01:29 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الأموال العامة المستردة بين الشرعية القانونية وأولوية إعادة الإعمار في عدن

    جسار مكاوي




    ​يثير قرار التحفظ على الأموال والأصول المنسوبة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي جملة من التساؤلات القانونية والإدارية المتعلقة بمصير تلك الأموال في حال انتهت التحقيقات والأحكام القضائية النهائية إلى ثبوت كونها متحصلة من المال العام أو من جبايات ورسوم فرضت خارج الأطر القانونية المنظمة للإيرادات العامة للدولة..

    من الناحية القانونية فإن الأصل الدستوري المستقر يقضي بأن الأموال العامة لا تسقط بالتقادم وأن كل مال ثبت خروجه من حيازة الدولة أو تحصيله أو التصرف به بالمخالفة للقانون يجب أن يعود إلى الخزينة العامة للدولة باعتباره مالا عاما مملوكا للشعب..

    كما أن إجراءات الحجز والتحفظ لا تعد بذاتها مصادرة نهائية وإنما هي تدابير احترازية مؤقتة تسبق الفصل القضائي النهائي أما المصادرة فلا تكون إلا بحكم قضائي نهائي يحدد الأموال والأصول المشمولة بها والأساس القانوني لذلك..

    وعلى فرض صدور أحكام نهائية تقضي برد الأموال والأصول إلى الدولة فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بكيفية استرداد الأموال بل بكيفية توجيهها بما يحقق المصلحة العامة ويعالج الأضرار التي لحقت بالمجتمع والاقتصاد والخدمات الأساسية..

    ومن هذا المنطلق فإن من المناسب أن تتبنى الحكومة اليمنية رؤية تشريعية وإدارية واضحة تقضي بإصدار قرار من مجلس الوزراء بإنشاء صندوق خاص للأموال العامة المستردة بحيث تخصص تلك الأموال لمشاريع البنية التحتية والخدمات الاستراتيجية في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة..

    ويأتي في مقدمة هذه الأولويات مشروع إعادة تأهيل وتشغيل مصافي عدن باعتبارها منشأة سيادية واستراتيجية قادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الطاقي وتقليل فاتورة استيراد المشتقات النفطية وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف المواطنين..

    كما ينبغي توجيه جزء رئيسي من هذه الأموال لإعادة بناء وتعزيز منظومة الكهرباء في عدن من خلال إنشاء محطات توليد جديدة وتطوير شبكات النقل والتوزيع وصيانة البنية التحتية القائمة بما يضمن استقرار الخدمة وتحسين حياة المواطنين ودعم النشاط الاقتصادي..ويمكن أن تمتد الاستفادة كذلك إلى مشاريع المياه والصرف الصحي والطرق والموانئ والمرافق الصحية والتعليمية باعتبارها مشاريع ذات منفعة عامة مستدامة تعود بالنفع على المجتمع بأكمله..

    إن فلسفة استرداد الأموال العامة لا تكتمل بمجرد استعادتها إلى خزائن الدولة بل تتحقق غايتها الحقيقية عندما تتحول تلك الأموال إلى مشاريع تنموية وخدمية ملموسة يشعر المواطن بأثرها المباشر في حياته اليومية..

    وعليه.. فإن أي أموال يثبت بحكم قضائي نهائي أنها أموال عامة أو متحصلة من جبايات غير قانونية ينبغي أن توجه إلى إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والخدمية للدولة وفي مقدمتها مصافي عدن وقطاع الكهرباء باعتبار ذلك تجسيدا عمليا لمبدأ رد الحقوق إلى أصحابها الحقيقيين وهم أبناء الشعب اليمني..

    كما ندعو مجلس الوزراء إلى إصدار قرار بإنشاء حساب سيادي مستقل للأموال العامة المستردة يخضع لرقابة الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والجهات القضائية المختصة ويخصص حصرا لتمويل مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية وعلى رأسها مصافي عدن والكهرباء والمياه والطرق بما يضمن عدم إعادة تدوير تلك الأموال في نفقات تشغيلية مؤقتة أو أبواب إنفاق غير منتجة..

    فإذا كانت تلك الأموال قد أخذت من المجتمع بغير وجه حق فإن العدالة تقتضي أن تعود إلى المجتمع في صورة مشاريع وخدمات وفرص عمل وتنمية مستدامة..وهو ما يجعل من استرداد المال العام خطوة في طريق بناء الدولة لا مجرد إجراء قانوني أو مالي عابر .

المزيد من مقالات (جسار مكاوي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال