لا أحد يستطيع أن يقنع أبناء عدن اليوم بأن ما يعيشونه مجرد أزمة كهرباء عابرة أو خلل فني طارئ. لقد تجاوزت المسألة حدود الأعطال ونقص الوقود والتبريرات الجاهزة التي تتكرر منذ سنوات حتى أصبحت جزءا من المشهد اليومي الممل .

عدن لا تعيش أزمة كهرباء فحسب بل تعيش أزمة إرادة و قرار و إدارة.

فمن يطفئ عدن؟ هل هو ذلك العجز المزمن الذي يطل علينا كل صيف وكأنه قدر محتوم؟، أم هي شبكة المصالح التي ازدهرت في بيئة الفوضى حتى أصبحت الأزمة نفسها مصدرا للنفوذ والربح والتأثير؟ أم أن عدن تدفع ثمن موقعها ودورها وتاريخها وثقلها السياسي في معادلة لا تزال تنظر إلى المدينة باعتبارها ورقة تفاوض لا عاصمة للحياة؟ الحقيقة المؤلمة أن الظلام الذي يبتلع عدن كل يوم ليس نتاج لحظة واحدة ولا نتيجة خطأ عابر.

إنه حصيلة سنوات طويلة من القرارات المؤجلة والوعود المكسورة والمشاريع المتعثرة والأموال التي أنفقت دون أن يلمس المواطن نتائجها على أرض الواقع في كل مرة يشتد الحر وتنهار المنظومة الكهربائية يخرج علينا المسؤولون بالأسباب ذاتها. الوقود غير متوفر. التمويل غير كاف. المحطات بحاجة إلى صيانة. الطلب مرتفع. الظروف استثنائية لكن السؤال الذي يرفضون الإجابة عنه هو: لماذا تتكرر الأسباب ذاتها منذ سنوات دون حلول جذرية؟ أي إدارة ناجحة تقاس بقدرتها على منع تكرار الأزمة لا بقدرتها على شرح أسبابها بعد وقوعها.

عدن ليست مدينة طارئة على التاريخ حتى تعامل بهذه الخفة. إنها المدينة التي احتضنت الميناء والمطار والصحافة والنقابات والجامعات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. المدينة التي كانت يوما نموذجا للخدمات والتنظيم والإدارة...فكيف أصبحت اليوم عاجزة عن الحصول على ساعات كهرباء مستقرة؟ وكيف أصبح المواطن العدني مطالبا بالصبر كل يوم بينما لا أحد يقدم كشف حساب حقيقيا عن أسباب الانهيار ومن يقف خلفه ومن استفاد منه؟

إن أخطر ما في أزمة الكهرباء ليس انقطاع التيار بل اعتياد الناس على الانقطاع. أن يصبح الظلام أمرا طبيعيا. وأن تتحول المعاناة إلى خبر يومي لا يثير غضب أصحاب القرار.

إن المدن لا تنهار دفعة واحدة بل تنهار حين تتراكم الأزمات دون محاسبة. وحين يصبح الفشل بلا ثمن. وحين يشعر المسؤول أن بإمكانه تكرار الأخطاء ذاتها دون أن يسأله أحد لهذا فإن القضية اليوم ليست قضية وقود أو محطة أو مولد. القضية هي قضية مسؤولية وطنية وأخلاقية وسياسية؛ من يطفئ عدن؟

كل من يملك القرار و يتخلى عنه، كل من يعرف مكمن الخلل و يصمت، كل من يتعامل مع معاناة الناس باعتبارها رقما في تقرير أو بندا في اجتماع، كل من جعل من الخدمات الأساسية ساحة للصراع والمساومة وتصفية الحسابات، أما أبناء عدن فقد قدموا ما يكفي من الصبر والاحتمال، ولم يعد من حق أحد أن يطلب منهم المزيد بينما تستمر المدينة في دفع ثمن أخطاء لم ترتكبها.

إن عدن لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات. إنها تحتاج إلى قرار شجاع يضع حدا لسنوات العبث ويعيد الاعتبار لحق الإنسان في حياة كريمة، الكهرباء ليست امتيازا تمنحه السلطة متى شاءت وتسحبه متى شاءت.

الكهرباء حق، وعدن ليست مدينة ينبغي أن تعيش في الظلام.. ومن يطفئ عدن اليوم لن يستطيع أن يطفئ إرادة أبنائها ولا قدرتهم على المطالبة بحقوقهم وكشف الحقائق مهما طال الزمن.