​ليست المشكلة في استدعاء حرب 1994إلى النقاش السياسي أو التاريخي، الحروب الكبرى تظل حاضرة في ذاكرة الشعوب لعقود طويلة وإنما المشكلة في تحويل تلك الحرب إلى عقيدة سياسية دائمة تقوم على مفهومين خطيرين:

الأول/ تحويل المظلومية إلى هوية سياسية مغلقة.
الثاني/ اختزال الوطن في جغرافيا الثأر والغلبة.

حين تتحول المظلومية من قضية حقوق و عدالة و مواطنة متساوية إلى هوية سياسية قائمة بذاتها تصبح الأزمة غير قابلة للحل لأن بقاء الخطاب نفسه مرتبط ببقاء الجرح مفتوحا..وهنا لا يعود المطلوب معالجة آثار الحرب بل إعادة إنتاجها نفسيا و سياسيا في كل جيل جديد حتى تبقى التعبئة مستمرة..أما المفهوم الثاني فهو الأخطر لأنه يحول السياسة من مشروع دولة إلى مشروع حدود نفسية ومناطق نفوذ..

في هذه الحالة لا يعود الوطن وطنا نهائيا للجميع بل مجرد مساحة صراع مؤقت بين هويات خائفة و متنافسة وكل طرف يختزل البلاد في سرديته الخاصة وآلامه الخاصة و مناطقه الخاصة..لقد شهد اليمن قبل الوحدة و بعدها حروبا وصراعات دامية في الشمال والجنوب وبين الشطرين وكانت المأساة دائما أكبر من أن تختزل في حرب واحدة أو رواية واحدة أو طرف واحد..

لكن بعض الخطابات السياسية لا تريد قراءة التاريخ لفهمه بل لاستخدامه كوقود دائم لإعادة إنتاج الانقسام و الكراهية..لا أحد عاقل يمكنه تبرير الحروب أو التقليل من آثارها الكارثية على الناس و الدولة و المجتمع لكن تحويل الحروب إلى ذاكرة تعبئة أبدية يعني عمليا إعدام أي فرصة لبناء مستقبل مشترك..الدول لا تبنى على الذاكرة الجريحة وحدها كما لا تبنى على الإنكار أيضا..

تبنى الدول حين تتحول المظالم إلى مشروع عدالة لا إلى مشروع كراهية و حين يصبح التاريخ مادة للفهم لا وقودا دائما للانفجار.. المأساة الحقيقية ليست فقط في الحروب بل في النخب التي فشلت في إنتاج فكرة وطن تتجاوز الغلبة والثأر والمناطقية وبقيت أسيرة لمفاهيم الخوف والانتقام و تقاسم النفوذ.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يتحول الألم فيه إلى استثمار سياسي دائم وأن تصبح الذاكرة الوطنية مجرد أداة تعبئة لا وسيلة مراجعة وإنقاذ.