الاثنين, 22 يونيو 2026
125
يمر الجنوب اليوم بمرحلة حساسة واستثنائية تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة والواقعية السياسية. فبعد سنوات طويلة من النضال والتضحيات، وما تحقق لقضية الجنوب من حضور سياسي وعسكري منذ عام 2015، على طريق بناء واستعادة دولة الجنوب الفدرالية... يجد الجنوبيون أنفسهم أمام تحديات داخلية وخارجية تستدعي مراجعة هادئة للمشهد بعيدًا عن الانفعال والتصعيد والتخوين والصراع مع الكل.
منذُ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 وتمكنه من تحقيق حضور سياسي مهم عبر اتفاق الرياض ومشاورات الرياض والمشاركة في مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة حتى بات أكبر كيان وشبه سلطة حاكمة.
فقد شهدت السنوات الأخيرة تطورات معقدة وخلافات حول عدد من الملفات، انعكست بصورة مباشرة على المشهد الجنوبي وعلى فقدان الانتقالي للعديد من المكاسب منها مكانته الإقليمية وحضوره الدولي والاعتراف به ومشاركته في الحكومة ومجلس القيادة وفقدان السيطرة على القوات الجنوبية وصعوبة ظهور قادته وإعلان اكثر من نصف القيادة حل المجلس الانتقالي الجنوبي وانسحاب البعض منه وتجميد البعض بردة فعل سلبية ممن يقودون الانتقالي حاليًا وهذه المسائل تجعل الحديث عن أهمية البحث في مؤتمر جنوبي جامع لإعادة صياغة المشهد ولملمة الجنوب ضرورة قصوى لأن الجنوب يمتلك قاعدة شعبية وقضية عادلة مع انقسام قيادي جنوبي وغياب رؤية موحدة لكيفية التعامل مع الأوضاع ويتطلب كيان جامع يضم الجميع انتقالي وغير انتقالي فالشعوب لا يتوقف تاريخها عند أي نكسة إذا كانت القيادات رشيدة وتمتلك قرارها الداخلي.
ورغم أن حالة الغضب الشعبي مفهومة في ظل التدهور الاقتصادي والخدمي وبعض الإجراءات السياسية التي تعيشها البلاد، إلا أن تحويل هذا الغضب إلى صراع مفتوح مع الأطراف الإقليمية المؤثرة أو بين القوى الجنوبية لن يخدم قضية الجنوب، بل سيمنح خصومها فرصًا إضافية للاستفادة من حالة الانقسام.
وهنا يبرز سؤال مشروع ينبغي على الجميع التفكير فيه بهدوء ومسؤولية: هل المواجهة ستخدم قضية الجنوب ويقربها من أهدافها السياسية، أم أنه سيزيدها تعقيداً ويضعها أمام تحديات أكبر؟
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: من سيدفع ثمن الصراع مع المملكة العربية السعودية؟
ان الواقع يؤكد إن أي تداعيات سياسية أو اقتصادية أو أمنية ستنعكس سلبًا على الجنوب وأبنائه بينما لن تكون الأثار مباشرة على الأطراف الخارجية فالدم جنوبي والصراع جنوبي كما أن كل القوات الجنوبية باتت مدعومة من السعودية ولذلك مع من ستكون المواجهة..؟
من يتأمل المشهد سيدرك أن هناك أطرافاً عدة سوف تستفيد من استمرار التوتر والخلاف. فهناك بعض القوى النافذة داخل الشرعية قد ترى في اتساع الفجوة بين الجنوب والمملكة فرصة لتعزيز نفوذها وتحسين موقعها لدى الرياض.
كما أن صنعاء تراقب هذه الخلافات باهتمام، لتأكيد روايتها أمام مختلف الأطراف بأنها الأحق في قيادة اليمن بما فيه الجنوب لان كل الأطراف فشلت في القيادة على مستوى الشرعية والجنوب لمحاولة تحقيق مكاسب سياسية من حالة الاستقطاب القائمة.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد وجود أطراف أو شخصيات جنوبية تسعى لاستثمار حالة الصراع لتحسين مواقعها أو تحقيق مصالح خاصة وذاتية على حساب قضية استقلال الجنوب.
إن المشكلة الحقيقية اليوم ليست في وجود اختلافات سياسية بين الجنوبيين، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي، وإنما في تحول الخلاف إلى حالة استنزاف وصراع دائم يضعف قضية الجنوب ويفكك صفها السياسي والاجتماعي. فقضية شعب الجنوب ما زالت تحظى بحضور شعبي واسع، لكن استمرار خطاب الإقصاء والتخوين يدفع كثيرًا من الشخصيات والقيادات والكفاءات إلى الابتعاد عن المشهد أو التزام الصمت.
ومن المؤسف أننا لم نشهد خلال السنوات الماضية مستوى من الخلاف والصراع البيني الجنوبي كما نشهده اليوم، خصوصاً في شبكات التواصل الاجتماعي التي تحولت لدى البعض إلى ساحات للتجريح والتخوين والتحريض.
ومن هنا فإن الحاجة أصبحت ملحة لتغليب لغة العقل والحكمة من جميع الأطراف. فالمضي نحو مزيد من التصعيد والتوتر لن يخدم الجنوب ولا مستقبله، بل قد يحوله إلى ساحة للفوضى والتطرف والصراعات الداخلية.
وإذا انهار الجنوب أو انزلق إلى مواجهة داخلية – لا قدر الله – فإن الجميع سيدفع الثمن دون استثناء، وسيندم الجميع على اللحظة التي انتصرت فيها الانفعالات على الحكمة.
وقد نضيع ما تبقى لنا في الجنوب ونعود لمربع ما قبل 2015 حينما كان الجنوب ثورة شعبية لا يمتلك أي نفوذ أو قوة عسكرية والشمال باسط بقوته على الجنوب ومؤسساته.
وبالمقابل فإننا ندعو الأطراف المؤثرة داخل الشرعية اليمنية إلى التوقف عن أي إجراءات أو قرارات من شأنها استفزاز الشارع الجنوبي أو زيادة حالة الاحتقان، لأن الاستقرار مسؤولية مشتركة، ولأن لكل فعل رد فعل قد يكون أكبر وأوسع من المتوقع ومنها ملف ملاحقة اللواء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي فتلك الخطوات تذكر الشارع الجنوبي بإجراءات نظام صالح عقب حرب 94م فلا تعيدوا إجراءات ثبت فشلها في الماضي فلن تكونوا الله يهديكم أذكى ولا أدهى من الرئيس صالح الذي اضطر لإلغاء الأحكام وحافظ على بقاء الاشتراكي ومع ذلك فقد السيطرة على الجنوب بسبب تأخر الحلول.
ولأبناء الجنوب كافة نقول: تذكروا دروس التاريخ جيدًا. ففي الثاني والعشرين من يونيو 1969 بدأت محطة صراع داخلية تحت مسمى"الخطوة التصحيحية"، وكانت منطلقًا لسلسلة من الخلافات والصراعات التي دفعت البلاد أثمانها لعقود طويلة. والتاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة، لكنه يقدم لنا العبر والدروس لمن أراد أن يتأمل ويتعلم.
إن الجنوب بحاجة اليوم إلى مراجعة سياسية هادئة تعيد ترتيب الأولويات، وتحافظ على العلاقات مع الأشقاء وجيراننا، وتهيئ المجال أمام حوار جنوبي يستوعب الجميع دون إقصاء أو تخوين.
فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم بالصراعات الداخلية، وإنما بالقدرة على بناء التوافقات وإدارة الخلافات بحكمة وعقل. والله الهادي إلى سواء السبيل.