الأربعاء, 24 يونيو 2026
118
عندما تتداخل السياسة مع العصبية القبلية أو المناطقية، تصبح النتائج بالغة الخطورة، خصوصًا في المجتمعات التي لا تزال مؤسسات الدولة فيها في طور التشكل والسعي لترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية بديلاً عن الولاءات التقليدية الضيقة.
لقد شهد الجنوب، منذ الاستقلال، تجربة سياسية سعت إلى تجاوز البنى التقليدية التي كانت قائمة في إطار السلطنات والمشيخات، والعمل على بناء دولة حديثة تقوم على مؤسسات سياسية وإدارية موحدة. ومهما اختلفت الآراء حول الوسائل التي استُخدمت لتحقيق ذلك، فإن النتيجة كانت تراجع الدور السياسي المباشر للقبيلة والمناطقية خلال سنوات طويلة.
وخلال تلك المرحلة تعاقبت صراعات وانقلابات سياسية عديدة أطاحت بقيادات بارزة، بدءًا من الرئيس قحطان الشعبي، مرورًا بسالم ربيع علي، ووصولًا إلى الصراعات التي شهدها الحزب الاشتراكي اليمني في مراحل لاحقة. وعلى الرغم من جسامة تلك الأحداث، لم تكن ردود الفعل الشعبية في معظمها تُدار بمنطق الاصطفاف القبلي أو المناطقي، بل كانت تُفهم في إطار الصراع السياسي والتنظيمي داخل السلطة الحاكمة آنذاك.
غير أن أحداث الثالث عشر من يناير 1986 مثلت نقطة تحول عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي الجنوبي. فمهما اختلفت التفسيرات حول أسبابها وخلفياتها، فإن تداعياتها أسهمت في تعميق الانقسامات المناطقية وتركت جروحًا ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة الجمعية حتى اليوم. ومنذ ذلك التاريخ أصبح من الصعب فصل كثير من المواقف السياسية عن الإرث الذي خلفته تلك الأحداث.
ولعل أحد التحديات التي تواجه الجنوب اليوم يتمثل في استمرار حضور الاعتبارات المناطقية في بعض المواقف السياسية والشعبية، وهو أمر يهدد أي مشروع وطني جامع. فالدول لا تُبنى على أساس الثأر التاريخي، ولا على أساس الولاءات الضيقة، وإنما على أساس الشراكة والمواطنة المتساوية والاحتكام إلى المؤسسات.
ومع اقتراب أي حوار جنوبي–جنوبي جاد، فإن نجاحه يتطلب من جميع الأطراف أن تذهب إليه متحررة قدر الإمكان من رواسب الماضي، ومن مشاعر الإقصاء أو الرغبة في الانتقام، وأن تنظر إلى الجنوب باعتباره وطنًا يتسع للجميع، لا ملكية حصرية لمنطقة أو قبيلة أو تيار سياسي.
كما أن التضحيات التي قُدمت من أجل القضية الجنوبية لم تكن حكرًا على منطقة دون أخرى، بل شاركت فيها مختلف المحافظات والشرائح الاجتماعية. ولذلك فإن العدالة تقتضي الاعتراف بإسهامات الجميع، وعدم تحويل التضحيات إلى وسيلة لاحتكار القرار أو الاستحقاقات السياسية.
إن المستقبل الذي ينشده الجنوبيون لن يتحقق إلا عندما يقتنع الجميع بأن ما لهم من حقوق هو ذاته ما لغيرهم، وأن قيمة المواطن لا تحددها منطقته أو قبيلته، بل انتماؤه للوطن واحترامه للقانون ومشاركته في بناء الدولة. فالدولة الحديثة لا تنتصر فيها القبائل على بعضها البعض، وإنما ينتصر فيها المواطنون جميعًا عندما تكون المواطنة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات.