كثيرًا ما تُختزل أزمة الدول التي تعيش الصراعات في سؤال واحد: من يملك الشرعية السياسية؟ ويجري التعامل مع هذا السؤال وكأن الإجابة عنه كافية لحل بقية المشكلات. غير أن تجارب الدول خلال العقود الأخيرة تكشف أن امتلاك الشرعية، على أهميته، لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على بناء دولة فعالة أو إدارة مجتمع معقد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وتنموية متشابكة.
فالشرعية السياسية تمنح السلطة حق الحكم، لكنها لا تمنحها تلقائيًا القدرة على الحكم بكفاءة. وهناك فرق جوهري بين شرعية الوصول إلى السلطة، وفاعلية ممارسة السلطة. فقد تتمتع حكومة باعتراف قانوني أو دستوري أو دولي، لكنها تعجز عن تقديم الخدمات، أو فرض سيادة القانون، أو إدارة الاقتصاد، أو تنفيذ السياسات العامة. وفي المقابل قد تنجح بعض المؤسسات في أداء وظائفها بكفاءة حتى في ظل أوضاع سياسية معقدة، إذا توافرت لها الإدارة الرشيدة والكفاءات المؤسسية.
وقد أدركت الأدبيات الحديثة في الإدارة العامة هذا التمييز، فأصبحت تفرق بين شرعية الدولة وقدرة الدولة. فالشرعية تجيب عن سؤال: لماذا يحق لهذه السلطة أن تحكم؟ أما القدرة فتجيب عن سؤال أكثر أهمية بالنسبة للمواطن: ماذا تستطيع هذه السلطة أن تحقق؟
ومن هنا فإن الدولة الفعالة لا تُقاس فقط بمقدار الاعتراف السياسي الذي تحظى به، وإنما بقدرتها على تحويل الموارد إلى نتائج، والسياسات إلى إنجازات، والوعود إلى واقع يلمسه المواطن. فالمواطن لا يختبر شرعية الدولة من خلال النصوص القانونية وحدها، بل من خلال جودة الخدمات، واستقرار العملة، وكفاءة المؤسسات، وسيادة القانون، وقدرة الإدارة العامة على الاستجابة لتحديات الحياة اليومية.
فلا يمكن فصل الشرعية عن الأداء. فالشرعية قد تمنح الدولة نقطة البداية، لكن الأداء هو الذي يمنحها الاستدامة. وكلما اتسعت الفجوة بين الشرعية والإنجاز، تعرضت الثقة العامة للتآكل، وازدادت صعوبة المحافظة على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في الدول التي تمر بمراحل انتقالية أو نزاعات ممتدة، حيث ينصب الجزء الأكبر من الجهد السياسي على تثبيت شرعية السلطة، بينما تتراجع أولويات بناء المؤسسات وتعزيز الكفاءة الإدارية. ونتيجة لذلك قد تنشأ دولة تمتلك مؤسسات رسمية، لكنها تفتقر إلى القدرة الفعلية على تنفيذ وظائفها الأساسية. وتزداد هذه "الإشكالية" تعقيدًا، عندما تكون "الشرعية" مسلوبة الإرادة السياسية والكفاءة.. مأمورة لا صانعة للحدث.
وفي بلادنا، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة. فالنقاش العام ينشغل منذ سنوات بقضايا الشرعية والتمثيل والاعتراف، وهي قضايا لا شك في أهميتها، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل تمتلك مؤسسات
الدولة القدرة الكافية على إدارة الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وفرض سيادة القانون، وتحويل الموارد المحدودة إلى نتائج ملموسة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بجهة سياسية بعينها، وإنما بطبيعة الدولة التي نسعى إلى بنائها. فالدولة الحديثة لا تقوم على الشرعية السياسية وحدها، كما لا تقوم على القوة وحدها، وإنما تقوم على توازن دقيق بين الشرعية، والكفاءة المؤسسية، وسيادة القانون، والمساءلة، والقدرة على الإنجاز.
ولهذا فإن أي مشروع وطني لإعادة بناء البلاد ينبغي ألا يقتصر على معالجة إشكاليات الشرعية السياسية، بل يجب أن يضع في مقدمة أولوياته إعادة بناء الإدارة العامة، وتطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز الجدارة في التعيينات، وترسيخ مبادئ الحوكمة والمساءلة، وبناء جهاز إداري قادر على تنفيذ السياسات العامة بكفاءة واستمرارية.
كما أن بناء الدولة الفعالة يتطلب الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة بناء المؤسسات. فالدول لا تنهض بالحلول المؤقتة، ولا تستقر بتوازنات القوى وحدها، وإنما تستقر عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون أقوى من النفوذ، والكفاءة معياراً للتقدم في الوظيفة العامة.
ومن منظور التنمية، فإن العلاقة بين الشرعية والفاعلية ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل. فالشرعية تمنح السلطة القبول، بينما تمنحها الفاعلية الثقة. وإذا فقدت الدولة أحد هذين الركنين، فإن قدرتها على الاستمرار تصبح موضع اختبار دائم.
ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه التجارب الدولية هو أن الدول الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أعلى درجات الشرعية السياسية، وإنما تلك التي استطاعت تحويل شرعيتها إلى مؤسسات قادرة، وإدارة كفؤة، وسياسات عامة تحقق نتائج ملموسة للمواطنين.
إن بناء دولة فعالة يبدأ من الاعتراف بأن الشرعية شرط ضروري، لكنه ليس الشرط الكافي. فالدولة التي تمتلك الشرعية دون مؤسسات قوية قد تواجه صعوبة في أداء وظائفها، بينما الدولة التي تجمع بين الشرعية والقدرة المؤسسية والحوكمة الرشيدة تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية وصناعة المستقبل.
ودون تحقيق ذلك، تصبح "الشرعية" وسيلةً للنهب والقهر فقط.