الأحد, 05 يوليو 2026
112
البنكس، لا نحتاج توضيح أصل ومعنى اللفظة اللغوي، فهي للقارئ المحلي واضحة ومتداولة في سياقها، وكما قيل توضيح الواضحات من الفاضحات، لكنها في المقابل ليست مجرد لفظة عابرة تسللت من كواليس السياسة المحلية لتستقر في قاموس التندر اليومي، بل هو أدق تكثيف لغوي لآلية عمل المشهد الراهن، حيث تتحول المواقف السياسية إلى سلع مشروطة ويصبح الولاء وظيفة تخضع لقوانين العرض والطلب الإقليمي.
وفي الفضاء المستحدث، لم يعد المرء بحاجة إلى تاريخ مهني أو عمق معرفي ليتصدر الشاشات، ويوزع صكوك الوطنية أو تهم التصنيف الجائرة؛ إذ يكفي أن تلتفت اليد المانحة، سواء كانت قادمة من الرياض أو أبوظبي أو من أي عاصمة أخرى تدير خيوط اللعبة ومصالحها في المحافظات المحررة، لتبني من العدم منصات ووجوهًا لا يجمع بينها سوى الاستعداد التام لمناوأة الكيانات القائمة المخالفة لليد المانحة، وتمرير الأجندات المطلوبة بحذافيرها.
إننا أمام معايير مقلوبة تمامًا، حيث تصبح الضحالة المعرفية والتجربة الهشة ميزة تفضيلية، والقدرة على الصراخ بلا مضمون مؤهلًا كافيًا للفوز بالحظوة والفتات المالي الذي يُغدق بسخاء على نخب طارئة، وجدت في غفلة من المشهد أن ركوب الأمواج الإعلامية أسرع طريق للوجاهة الزائفة.
والمفارقة تتبدى في أبهى صورها الهزلية، عندما تراقب هؤلاء الجهابذة الجدد لـ "الوعي المستأجر" وهم يتنقلون بين استوديوهات القنوات، أو ساحات منصة اكس، أو غيرها من منصات التواصل الاجتماعي حاملين ألقابًا ضخمة من عينة "خبير استراتيجي" أو "محلل سياسي بارز"، بينما يدرك الجميع أن حركة ألسنتهم مضبوطة بدقة على إيقاع التحويلات المصرفية أو الرسائل النصية القادمة من الموجهين خلف الحدود.
هنا تصبح السخرية اللاذعة شرفًا لازمًا لتفكيك هذا العبث؛ فالخطاب الذي يسوقونه عن السيادة ومصلحة المواطن يتهافت تلقائيًا عند أول تبدّل في مزاج الدول المانحة، لتراهم يغيرون جلودهم ومواقفهم في "بورصة الولاءات" بسرعة تفوق قدرة المتابع على الاستيعاب. إنها عملية تعرية ذاتية مستمرة، يسقط فيها الوقار المصطنع أمام حقيقة أن الموقف ليس نتاج قناعة وطنية تبتغي مصلحة الأرض والهوية، بل هو انعكاس لمدى سخاء "البنكس" وقدرته على توفير العيش الرغيد لمن باعوا استقلاليتهم وتحولوا إلى مجرد أدوات وظيفية عابرة في أيدي القوى الخارجية التي تدير المشهد من خلف الستار.
وفي المقابل تمامًا، في الجانب المظلم من هذا البهرج الكاذب، يقف الكاتب المستقل والصحفي الأصيل شامخًا في تهميشه، معزولًا عن موائد الدعم ودوائر الاهتمام، وكأن نظافة اليد والتمسك بحرية الكلمة باتت خطيئة لا تُغتفر في زمن الاستقطاب الحاد. المنظومة الحالية، بأحزابها وجماعاتها ومكوناتها وتنظيماتها المرتهنة، لا تملك مكانًا بل لا ترحب بمن لا يُمكن شراؤه أو توجيهه بريموت كنترول خارجي، ولذلك يبدو الإقصاء المفروض والمتعمد على الصوت المستقل الحر بمثابة عقوبة ممنهجة، لكنه في جوهره شهادة جدارة تاريخية وصك براءة علني؛ فالتهميش هنا يعكس خوف المنظومة من الحقيقة العارية التي يملكها المستقل، والذي يفضل دفع الثمن الباهظ للاستقلالية، والعيش على هامش المشهد المالي بكل مصاعبه ومتاعبه، بدلًا من الانخراط في جوقة النفاق العام التي تدار بالدفع المسبق، وهو خيار واعٍ وامتحان صعب يضع كرامة الكلمة فوق كل اعتبار آني.
هذا التباين الصارخ يعيد إلى الأذهان، بمرارة ساخرة، تلك الحادثة التاريخية المأثورة عن الإمام سفيان الثوري حين سُئل عن صرة مال في يده، فقال كلمته الخالدة: "لولا هذه لتمندل بنا الملوك"؛ غير أن المفارقة المعاصرة تقلب هذه الحكمة على رأسها بشكل تراجيدي كوميدي. فإذا كان السلف قد رأوا في المال وسيلة لحفظ الكرامة والامتناع عن أبواب السلاطين حتى لا يمسح الملوك بهم مواقفهم كالمناديل، فإن "أصحاب البنكس" اليوم يعكسون الآية تمامًا؛ إذ يتهافتون على المال الخارجي ليكون هو الأداة التي تسلبهم كرامتهم طوعًا، متطوعين للقيام بوظيفة "المناديل" التي تمسح بها القوى الإقليمية أقذر الأجندات وتمرر عبرها أكثر السياسات تدميرًا لبنية الوطن واستقلاله وسيادته.
والملهاة الأكبر هنا هي أن هؤلاء المناديل الوظيفية يتناسون، في غمرة انتشائهم بالصعود الإعلامي الزائف، القاعدة التاريخية الثابتة: أن المنديل يُرمى حتمًا في أول سلة مهملات بمجرد أن تنتهي وظيفته أو تتبدل المصالح السياسية لمن يمسك به، لتظل الكلمة الحرة والمستقلة، رغماً عن التهميش والإقصاء، هي الأثر الباقي والنقي في ذاكرة الوطن المعذب.