إن الدعوة الموجهة إلى محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، لتقديم استقالته، والنصائح المشابهة التي قد تطال قامات إدارية أخرى في المحافظات المجاورة، كالدكتور مختار الرباش في أبين، ممن نلمس فيهم الإخلاص والصدق ونحسبهم على خير، هي دعوات مشحونة بالعاطفة والغيرة على نظافة اليد، وتأتي انطلاقاً من تشخيص يرى في تعقيدات المشهد وبؤس كواليسه عائقاً أمام أي مجهود مخلص؛ غير أنها في جوهرها السياسي تحمل منطقًا انسحابيًا لا يخدم هذه المدن ولا يخدم مشروع الدولة المفترض.

إن إشفاق البعض على الشرفاء من أن "تُحرق" أسماؤهم في أتون الصراعات والفساد الممنهج هو شعور تُفهم دوافعه الأخلاقية، بيد أن العمل العام، في لحظات التحول والأزمات العميقة، لا يُدار بالنوايا الطاهرة التي تؤثر السلامة، بل بالمواجهة والصمود وإيجاد مساحات للفعل، مهما كانت ضيقة أو محاصرة بـ"الكانتونات" وشبكات المصالح الممتدة.

من السهل جداً إشهار ورقة الاستقالة وإعلان النأي بالنفس عن مستنقعات الإدارة الموبوءة، فالانسحاب هنا يمنح صاحبه راحة الضمير الفردي ويقيه سهام النقد، لكنه يترك المصلحة العامة في مهب ريح عاتية تتقاذفها القوى الأكثر توغلاً في الفساد. إن إخلاء الساحة من الشخصيات المشهود لها بالنزاهة والمسؤولية، سواء في عدن أو في أبين، بحجة أن المرحلة لا تناسبهم، يمثل بدقة ما تصبو إليه قوى العبث المعيقة للاستقرار؛ إذ يغدو غياب هذه الرموز تشريعًا مجانيًا لاستكمال السيطرة، وتعريةً للمؤسسات من أي كوابح أخلاقية أو إدارية يمكن أن تحمي ما تبقى من هيبتها ومصالح المواطنين فيها، والمنطق العقلاني يفرض النظر إلى وظيفة المسؤول بوصفها جبهة دفاع وتكليفًا وطنيًّا، وليست مغنماً يُخشى عليه من الخدش.

هذا التشخيص الإداري والسياسي لا يمكن أن يكتمل أو يستقيم دون الالتفات صوب حضرموت، التي تمثل الثقل الاستراتيجي والعمق الحيوي للمشهد بأكمله، حيث يبدو أن الحاجة هناك تجاوزت فكرة الحفاظ على المتاح إلى ضرورة إحداث تغيير بنيوي في رأس الهرم الإداري. إن المطالبة بتعيين محافظ جديد للمحافظة، خلفًا لتمثيل عضو الرئاسة الخنبشي، تنطلق من وعي حقيقي بمتطلبات المرحلة التي لم تعد تحتمل الصياغات السياسية التقليدية أو الموازنات المؤقتة؛ إذ تبرز الحاجة الملحة لشخصية استثنائية من الأخيار، تجمع بين الاستقلالية التامة والنزاهة المطلقة، وتتسلح بالقوة والصلابة في مواجهة الضغوط وشبكات المصالح التي تحاول تجريف مقدرات هذه المحافظة الحيوية.

إن نجاح مثل هذه الشخصية المنشودة في حضرموت، أو صمود الرموز المخلصة في عدن وأبين، لا يمكن أن يتحقق في معزل عن وجود إرادة حقيقية تدعم هذا التوجه الإداري الجديد. هذا يعني ضرورة توفر إسناد مزدوج؛ داخلي من السلطة المحلية ومؤسساتها، وخارجي حازم ومستدام من قبل المملكة العربية السعودية القائمة على أمر البلد والراعية لملف الاستقرار فيه. إن توفير هذا الغطاء السياسي والاقتصادي لشخصية تمتاز بالصلابة والاستقلال هو الكفيل بتحويل حضرموت إلى نموذج ملهم للإدارة الرشيدة، وهو الذي يمنح المحافظ الجديد القدرة على فرض هيبة القانون وحماية الثروات الوطنية بعيداً عن التجاذبات الفئوية.

في نهاية المطاف، تبدو معركة البناء والمواجهة الإدارية في عدن وأبين وحضرموت معركة واحدة لا تتجزأ، تتطلب رؤية متكاملة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. الأوطان في لحظات مخاضها العسير لا تُبنى بانسحاب الأخيار، ولا بترك الحبل على الغارب للإدارات الضعيفة أو المترددة، بل بقدرة القوى الحية والراعية على تقديم ودعم شخصيات قوية، مستقلة، وصلبة، قادرة على فرض ثقافة الدولة، وانتزاع زمام المبادرة من أيدي مافيات الفساد ولوبياته.