الأربعاء, 15 يوليو 2026
117
السياسة في جوهرها علم وفن وخبرة ودراسة ومواهب وقدرات. وهي في تعريفها الأكاديمي "إدارة الشأن العام وتحقيق المصلحة الوطنية العليا عبر آليات سلمية ومؤسسية". وهي ليست ردة فعل عاطفية، ولا مناكفة يومية، ولا منصة للتشهير. هي علم له نظرياته، وفن له أدواته، وخبرة تكتسب بالممارسة، ودراسة تتطلب قراءة الواقع، ومواهب وقدرات لا يمتلكها إلا من هيأه الله لها. وهي قبل كل شيء تكليف وأمانة، سواء كنت في موقع قرار أو كنت رجل رأي وتأثير، ولها تبعاتها أمام الله والتاريخ والضمير.
وتقوم هذه المهنة على ثلاث ركائز لا تقوم دولة ولا مجتمع سوي بدونها. الحنكة الاستراتيجية في قراءة موازين القوى وفهم الواقع قبل محاولة تغييره. والدبلوماسية في إدارة العلاقات والتحالفات والخصومات بما يحفظ الحد الأدنى من الاحترام. والمسؤولية القانونية والأخلاقية في إدارة الاختلاف، لأن من لا يتقن فن الخلاف سيغرق حتمًا في فن الفوضى، لكن ما نراه اليوم هو اختراق واضح لهذا الفن من قبل عناصر لا تمت له بصلة.
دخلاء حولوا العمل السياسي من مشروع دولة إلى سوق للخطاب الانفعالي، اختزلوه في تسييس الشتيمة، فصار الخصم السياسي هدفًا للقدح والتشهير بدل أن يكون طرفًا في مناظرة بالحجة والدليل، وخلطوا عمدًا بين"الخصم السياسي" و"العدو الوطني"، وهذا خلط يهدد السلم الأهلي ويناقض أبسط قواعد العمل العام، كما استبدلوا المشروع الوطني بعبادة الترند، فصار الولاء يومًا مع هذا ويومًا ضد ذاك، بلا ثوابت ولا رؤية ولا بوصلة، واختزلوا قضايا الدولة المعقدة إلى شعارات جوفاء واتهامات مرسلة تضلل الرأي العام. ولهذا العبث كلفة باهظة يدفعها الوطن كله.
على مستوى المؤسسات، اهتزت هيبة العمل العام وتراجع منسوب الثقة، وعلى المستوى السياسي، تفرغت السياسة من مضمونها كـ"فن الممكن" فتحولت إلى "فن المستحيل" وعلى المستوى المجتمعي، تفكك النسيج الاجتماعي ودُفع المواطن إلى العزوف واليأس حتى صار يقول بيأس: "كلهم سواء". فكانت النتيجة وطنًا بلا نخبة، وشارعًا بلا ثقة، ودولة بلا رصيد شعبي.
ومن واقع التجربة والخبرة الطويلة في معايشة الناس ومعتركهم اليومي، فإن رجل السياسة الحقيقي يتميز بأشياء لا يملكها الدخيل، يضبط خطابه فيعلم أن الكلمة مسؤولية، فيهاجم الفكرة لا الشخص، وينتقد الأداء لا الذات. يملك طول النفس فيدرك أن السياسة تراكم، وأن خصم اليوم قد يكون شريك الغد في استحقاق مصيري. يغلب المؤسسة فيحتكم للدستور والقانون والأعراف ولا يحتكم للمزاج والغوغاء. ويتحمل تبعة قوله وفعله لأنه يعلم أن كل راعٍ مسؤول عن رعيته.
إن إنقاذ العمل السياسي يبدأ باعترافين لا ثالث لهما، الأول أن السياسة ليست لكل من هب ودب، بل هي تكليف قبل أن تكون تشريف. والثاني أن حرية الرأي لا تعني أبدًا حرية الفوضى، فالسياسة طاولة مستديرة يجلس عليها المختلفون ليخرجوا بأقل الخسائر وأكبر المكاسب للوطن، وليست حلبة مصارعة تحسم بالضربة القاضية.
فلنعد للسياسة هيبتها كعلم وفن وأمانة، ولنستبعد من المشهد كل من يرى أن الوطنية تقاس بعدد من تشتم، وأن الشجاعة هي في رفع الصوت لا في رفع مستوى الحجة. وإلا فسنظل ندور في حلقة مفرغة من الصراخ، وندفع ثمنها غاليًا من مستقبل أبنائنا.
والله من وراء القصد.