أخر تحديث للموقع
الخميس, 16 يوليو 2026 - 12:07 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • عدن.. الصبر الذي فاق الحدود

    م. عبدالناصر صالح ثابت




    في عدن، لم يعد الناس يعدّون الأيام، بل صاروا يعدّون ساعات انقطاع الكهرباء، وجرعات الماء، وما تبقى في الجيوب من نقود لا تكفي لسد أبسط الاحتياجات. هنا، لم يعد الصبر فضيلةً يُمدح بها الإنسان، بل أصبح عبئًا ثقيلًا يحمله الجميع، حتى فاق كل الحدود.

    عدن التي كانت يومًا مدينةً تنبض بالحياة، أصبحت تتنفس بصعوبة. شوارعها تعرف وجوه المتعبين، وبيوتها تحفظ أنين الأمهات، وأرصفتها تشهد على خطوات رجالٍ أنهكتهم الحياة وهم يلهثون خلف رزقٍ يسبقه إليه الغلاء. أما الأطفال، فقد كبروا وهم يظنون أن الظلام جزءٌ طبيعي من الليل، وأن الماء ضيفٌ يزور البيوت متى شاء.

    يا للمفارقة... كل شيء في عدن يطالب بالصبر، إلا قلوب الناس. فقد تعبت القلوب من الانتظار، وتشققت الأرواح من كثرة الوعود، حتى صار المواطن يستقبل كل تصريح بابتسامةٍ حزينة، وكأنه يردد في نفسه:"كم مرة سمعنا هذا الكلام؟".

    ليس البكاء ما يؤلم، بل الاعتياد عليه. وليس الفقر وحده ما يكسر الإنسان، بل شعوره بأن معاناته أصبحت خبرًا عابرًا، وأن صرخته تضيع بين ضجيج التصريحات، فلا تجد من يصغي إليها.

    في كل بقاع الأرض، يخلد الإنسان إلى النوم ليلًا مطمئنًا، ثم يستيقظ صباحًا متجهًا إلى عمله أو جامعته أو مدرسته، وهو يرسم خطط يومه. أما في عدن، فالأمر مختلف. يسهر الناس لا لأنهم يعشقون السهر، بل لأن الحر لا يرحم، والكهرباء غائبة، والقلق لا يترك للعيون فرصةً للنوم. وعندما يطلع النهار، لا يكون السؤال: ماذا سننجز اليوم؟ بل: إلى أين سنذهب بحثًا عن الماء؟ ومن أين سنوفر الوقود؟ وهل ستعود الكهرباء؟ وهل يكفي ما في الجيب لشراء ما يسد رمق الأسرة؟

    لقد تحولت الحياة إلى رحلة يومية شاقة للبحث عن أبسط الحقوق التي ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان. وأصبح الوقت يُستهلك في مطاردة الخدمات المفقودة، والأعمار تُستنزف في طوابير الانتظار، حتى غدا الأمل نفسه يحتاج إلى من يبحث عنه بين ركام الإحباط.

    لقد تجاوزت عدن مرحلة الأنين، وتخطت صرخات الشكوى، حتى بلغت مرحلة الصمت الموجع؛ ذلك الصمت الذي يسبق الدموع، والذي تعجز الكلمات عن ترجمته. لم تعد المدينة تبكي لأن أحدًا قد يسمعها، بل لأنها لم تعد تجد لغةً تصف حجم وجعها.

    وكأن عدن تقف على شاطئها العريق، تخاطب العالم بصوتٍ مبحوح: أنا عدن... فمن يحمل عني الجبال التي أثقلت كتفي؟

    ومن يداوي قلبًا أنهكته السنوات؟

    شكوتُ دهري لمن لا عهدَ له ولا ضمير، فزادني الصمتُ وجعًا، وزادتني الوعودُ انتظارًا.

    ثم تهمس، رغم كل شيء: سيُزهرُ الصبرُ يومًا بعدَ مُعتركِ، ويُولدُ الفجرُ من أحزانِ مُحترقِ.

    عدنٌ وإن أثقلَ الأيامُ كاهلَها، ستستعيدُ ضياءَ البحرِ والألقِ.

المزيد من مقالات (م. عبدالناصر صالح ثابت)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال