الاثنين, 03 أغسطس 2026
124
في إحدى المرات، وخلال لقاء جمعني بأحد القيادات اليمنية في إحدى العواصم الخارجية، فاجأني بعرضٍ غريب. قال لي إنه مستعد لترتيب مؤتمر صحفي كبير أعلن فيه "انشقاقي عن جماعة الحوثي"، وكأن هذا الإعلان سيكون حدثًا سياسيًا يستحق الاحتفاء.
ابتسمت، ثم أجبته بكل هدوء: "أنا لا أنتمي إلى جماعة الحوثي حتى أنشق عنها، ولم أنتمِ يومًا إلى أي جماعة أو مليشيا أو تنظيم. أنا أنتمي إلى اليمن، وهذا الانتماء هو الوحيد الذي لم ولن أنشق عنه".
لقد كانت تلك الكلمات تعبيرًا صادقًا عن قناعة راسخة، فالوطن ليس حزبًا نغادره، ولا جماعة نبدلها، ولا مشروعًا مؤقتًا تحكمه المصالح. الوطن هو الهوية، وهو الانتماء الذي يبقى ثابتًا مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى.
وللأسف، اعتاد البعض في المشهد اليمني أن يقيس الناس بميزان الانتماءات الضيقة؛ فمن لم يكن معهم فهو عندهم مع غيرهم، وكأن اليمنيين لا يحق لهم أن يكون ولاؤهم لليمن وحده. هذه النظرة هي التي ساهمت في تمزيق الوطن، وحولت السياسة إلى صراع جماعات بدلاً من أن تكون مشروعًا لبناء الدولة.
لم أحمل يومًا بطاقة عضوية لأي جماعة، ولم أضع مستقبلي في يد أي تنظيم، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن اليمن أكبر من الجميع، وأن الدولة يجب أن تعلو على الأحزاب والمليشيات والولاءات المناطقية والطائفية.
إن معركتنا الحقيقية ليست مع هذا الفصيل أو ذاك، وإنما مع كل مشروع يسعى إلى هدم الدولة وتقويض مؤسساتها، أياً كان اسمه أو شعاره. كما أن خلاص اليمن لن يتحقق بانشقاقات إعلامية أو انتقال الأشخاص من معسكر إلى آخر، وإنما ببناء مشروع وطني جامع يؤمن بالمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، واستعادة مؤسساتها.
قد يغيّر البعض مواقعهم السياسية، وقد ينتقل آخرون من جماعة إلى أخرى، لكنني أرى أن الشرف الحقيقي هو أن يبقى الإنسان ثابتًا على انتمائه لوطنه، لا تابعًا للأشخاص ولا أسيرًا للجماعات.
ولذلك كان ردي وسيبقى: أنا لم ولن أعلن انشقاقي عن جماعة لا أنتمي إليها، لكنني سأظل أعلن، في كل وقت، انتمائي المطلق لليمن، الوطن الذي لن أنشق عنه أبدًا.