الأربعاء, 05 أغسطس 2026
95
غالبًا ما يُنظر إلى الأسرة بوصفها خط الدفاع الأول عن تماسك المجتمع، ويُطلب منها أن تربي أبناءها على القيم، وأن تحميهم من العنف والتطرف والانقسام، وأن تمدّ المجال العام بأفراد صالحين وقادرين على التعايش. غير أن هذا التصور، على وجاهته، يظل ناقصًا ما لم نطرح السؤال في الاتجاه المقابل: ماذا يفعل المجتمع نفسه لكي يحمي الأسرة، ويعزز قدرتها على أداء أدوارها التربوية والإنسانية؟
في السياق اليمني الراهن، لم يعد من الممكن التعامل مع الأسرة بوصفها وحدة مغلقة تتكون فقط من أب وأم وأبناء يعيشون تحت سقف واحد. فالأسرة، في واقعها الاجتماعي الأوسع، تمتد إلى الأجداد والأقارب والجيران والمدرسة والحي والمسجد ومكان العمل، بل إلى كل دائرة قريبة تؤثر في الفرد وتشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل وعيه وسلوكه.
ومن هنا، فإن حماية الأسرة لا تبدأ من داخل المنزل وحده. فالبيت الذي تحيط به بيئة مضطربة، ومدرسة ضعيفة، وخطاب عام قائم على التخوين، وحي يفتقر إلى الثقة والتعاون، سيجد صعوبة كبيرة في غرس الطمأنينة والاحترام في نفوس أفراده. كما أن الوالدين اللذين يواجهان ضغوطًا اقتصادية ونفسية متراكمة لا يمكن مطالبتهما وحدهما بإنتاج جيل متوازن، بينما تتركهما مؤسسات المجتمع من دون دعم أو إرشاد أو حماية.
إن وجود أب وأم وأطفال لا يعني، تلقائيًا، وجود أسرة بالمعنى التربوي والقيمي العميق. فالأسرة ليست مجرد رابطة بيولوجية أو ترتيب اجتماعي، بل فضاء تنشأ فيه معاني الرحمة والعدل والمسؤولية والتشاور. وقد تعيش عائلة كاملة في مكان واحد، لكنها تفتقر إلى الحوار، أو تكرّس الخوف والعنف، أو تميز بين الذكور والإناث، أو تحرم الأطفال من التعبير والمشاركة. وفي مثل هذه الحالات يصبح الشكل الأسري قائمًا، بينما يغيب جوهر الأسرة.
لذلك نحن بحاجة إلى تعريف أكثر وضوحًا للأسرة في اليمن اليوم. الأسرة الحقيقية هي النواة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان أن كرامته لا تنفصل عن كرامة الآخرين، وأن الاختلاف لا يبرر الإقصاء، وأن القوة لا تعني السيطرة، وأن المسؤولية ليست امتيازًا، بل خدمة. وهي أيضًا المساحة التي يتدرب فيها الفرد على الإنصات، وتقاسم الأدوار، وحل الخلافات بالحوار، وربط الحقوق بالواجبات.
غير أن الأسرة لا تستطيع القيام بهذه المهمة منفردة. إنها تحتاج إلى مجتمع يساندها من خلال تعليم يربي على التفكير والتعاون، وإعلام يخفف من خطاب الكراهية، ومؤسسات محلية تتيح للناس المشاركة في حل مشكلاتهم، وسياسات تحمي النساء والأطفال، ومبادرات تعيد بناء الثقة بين الجيران. كما تحتاج إلى إحياء ثقافة التكافل، لا بوصفها استجابة موسمية للفقر، بل بوصفها علاقة يومية تجعل كل فرد معنيًا بسلامة محيطه.
إن الجار الذي يتدخل بحكمة لمنع العنف، والمعلم الذي يلاحظ معاناة طفل، والمرأة التي تقود مبادرة لدعم الأسر المحتاجة، والشاب الذي يخصص وقتًا لخدمة حيه، جميعهم يسهمون في حماية الأسرة، حتى وإن لم يكونوا من أفرادها. وهنا تتحول الأسرة الممتدة والبيئة القريبة من مجرد روابط اجتماعية إلى شبكة دعم أخلاقية وتربوية.
ومن الضروري كذلك ألا يُختزل دعم الأسرة في الوعظ. فالأسر تحتاج إلى مساحات آمنة للحوار، وبرامج للإرشاد النفسي والتربوي، وفرص اقتصادية عادلة، وخدمات أساسية تحفظ كرامة الإنسان. لا يمكن أن نطلب من الأسرة أن تكون مستقرة في مجتمع يطبع مع العنف، أو أن تكون متماسكة في بيئة تكافئ الانقسام وتهمش التعاون.
إن التماسك الأسري والتماسك المجتمعي ليسا مسارين منفصلين، بل عملية متوازية ومتبادلة. الأسرة التي تنمو أخلاقيًا وتربويًا تسهم في بناء مجتمع أكثر عدلًا، والمجتمع المتضامن يمنح الأسرة فرصة أفضل للنمو والاستقرار. وكل محاولة لإصلاح أحدهما بمعزل عن الآخر ستظل محدودة الأثر.
ربما آن الأوان لأن نكف عن توجيه سؤال أحادي إلى الأسرة: ماذا قدمتِ للمجتمع؟ وأن نوجه السؤال إلى المجتمع أيضًا: ماذا قدمتَ للأسرة؟ ففي الإجابة عن هذين السؤالين تتحدد قدرتنا على بناء يمن لا يقوم فقط على بقاء الروابط، بل على تجددها، ولا يكتفي بحماية شكل الأسرة، بل يصون رسالتها الإنسانية.