السبت, 08 أغسطس 2026
138
لطالما عبّر مهاتير محمد عن رؤية عميقة في فهم معادلة الاستقرار الدولي حين قال إن السلام الحقيقي يكمن في التعاون والمصالح والتنمية، لا في المحاور العسكرية ولا في اتفاقيات الدفاع المشترك. هذه المقولة تختزل تجربة إنسانية وسياسية طويلة، أثبتت أن التحالفات القائمة على القوة وحدها لا تصنع استقرارًا دائمًا، بل قد تؤسس لصراعات مؤجلة تنفجر عند أول اختبار جدي للمصالح.
اليوم، نشهد تسارعًا في تشكيل تكتلات بحرية وبرية تحت عناوين متعددة، ظاهرها الأمن وباطنها إعادة توزيع النفوذ. غير أن التجارب الحديثة تؤكد أن هذه الترتيبات غالبًا ما تتحول إلى أدوات لإشعال التوترات بدلًا من احتوائها، حيث تدخل الدول في سباق تسلّح وتحالفات متقابلة تعمّق الانقسام بدلًا من معالجته. فالتحالفات التي لا تقوم على مصالح تنموية مشتركة تبقى هشة، وسرعان ما تتآكل عند تغير موازين القوى أو تبدل الأولويات السياسية.
وعند إسقاط هذا المشهد على اليمن، يتضح أن الأزمة لا تحتاج إلى مزيد من الاتفاقيات الأمنية بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، ووساطات دولية ذات وزن قادرة على فرض مسار سلام حقيقي. فاليمن، الذي أنهكته الحرب، لا ينقصه السلاح ولا التحالفات، بل ينقصه مشروع تنموي يعيد بناء الدولة ويمنح المواطن أملًا في المستقبل. إن السلام في اليمن لن يتحقق عبر عسكرة المشهد، بل عبر معالجة جذور الصراع وخلق بيئة اقتصادية واجتماعية مستقرة، مع ضرورة احترام الدول المجاورة لخياراته الوطنية، مقابل التزام يمني واضح بعدم تهديد أمن الجوار.
وعلى مستوى أوسع، فإن الاعتماد الكامل على مظلة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم ينجح في تحقيق الأمن الجماعي في المنطقة، رغم عقود من الحضور العسكري والسياسي. وهذا يطرح تساؤلًا منطقيًا حول جدوى استبدال هذه المظلة بقوى إقليمية أخرى، مثل تركيا أو باكستان، إذ إن المشكلة ليست في هوية الحامي بقدر ما هي في طبيعة المعادلة الأمنية ذاتها. فالأمن المستدام لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر مؤسسات قوية، وشعوب متماسكة، وجيوش وطنية قادرة على حماية السيادة.
وفي سياق متصل، فإن التوترات الإقليمية، ومنها ما يتعلق بإيران، تكشف تعقيد المشهد الدولي. فحق الدول في الدفاع عن نفسها هو مبدأ راسخ في القانون الدولي، لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للتدخل في شؤون الآخرين أو تهديد استقرارهم. إن التوازن المطلوب يقتضي احترام سيادة الدول وعدم تصدير الأزمات خارج الحدود، لأن أي اختلال في هذه المعادلة يفتح الباب أمام دوامة من الصراعات التي يصعب احتواؤها.
في المحصلة، يتبين أن القوة الحقيقية لأي دولة لا تكمن في كثرة تحالفاتها أو تعدد اتفاقياتها، بل في تماسك جبهتها الداخلية، وقوة مؤسساتها، وقدرتها على تحقيق التنمية لشعبها. أما الاتفاقيات التي لا تستند إلى هذه الركائز، فتبقى عابرة، ولا توفر أمنًا دائمًا ولا تصنع سلامًا مستقرًا، بل تؤجل الأزمات إلى حين.