الأحد, 16 أغسطس 2026
115
العميد/ علي بن شنظور
> تجربة القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تستحق أن نتوقف أمامها ونقرأها بهدوء، ليس بهدف المقارنة بين سوريا ووضع بلادنا في كل التفاصيل، فلكل بلد ظروفه وتعقيداته، ولكن من المهم أن نستفيد من تجارب الآخرين ونتعلم منها، خاصة من بيدهم القرار.
والسؤال هنا: كيف استطاعت القيادة السورية أن تصل إلى هذه المرحلة خلال عام ونصف تقريباً؟ وهي فترة قصيرة جداً. بالمقابل، مضت عشر سنوات على تحرير عدن وبقية محافظات الجنوب والمناطق المحررة بدعم التحالف، والوضع ما زال في تعثر إلى الوراء..؟!
1 - كما هو في الواقع، يتضح أن القيادة السورية الحالية لم تبدأ عملها من لحظة سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، وإنما كانت قد بدأت منذ سنوات في إعداد نفسها.
فبعد أن هدأت الحرب في سوريا بعد العام 2019، استغلت القيادة الموجودة في إدلب السنوات التالية لبناء نفسها والعمل على الجانب المؤسسي، فكانت إدلب تضم نحو أربعة ملايين نسمة، واستطاعت القيادة هناك أن تقيم نموذجاً في الإدارة، وتعمل على توفير الخدمات، وبناء بعض المشاريع، وتوفير فرص العمل للشباب، وتحسين مستوى المعيشة. وكانت الكهرباء والخدمات في إدلب أفضل من كثير من المناطق الأخرى التي كانت تحت سيطرة النظام، وهذا الأمر جعل أبناء المناطق القريبة من إدلب، مثل حلب كمثال، ينظرون إلى التجربة باعتبارها نموذجاً أفضل، ويتطلعون إلى أن تمتد هذه التجربة إلى بقية المناطق.
2 - من الأمور المهمة أيضاً أن القيادة السورية عملت على توحيد الفصائل والقوى الموجودة في إدلب، وجمعتها في إطار أكثر تنظيماً، وبذلك لم يكن العمل العسكري وحده هو الأساس، وإنما كان هناك إعداد وبناء وتجربة عملية على الأرض.
3 - عندما جاءت اللحظة المناسبة للتحرك في بقية المناطق، استطاعت هذه القيادة خلال أيام قليلة في نهاية عام 2024 أن تسيطر على معظم مناطق سوريا، لوجود انهيار سريع في الجيش السوري وفي النظام، وترتيبات تمت حتى تمكنوا من دخول دمشق خلال أيام.
4 - الرواية التي كنا نعرفها أن ما تم من نجاح وسقوط النظام بشكل سريع كان ناتجاً عن قرار دولي، ولكن في مقابلة الرئيس الشرع قبل أيام مع قناة الجزيرة، كشف تفاصيل الحقيقة ونفى وجود أي دعم دولي، بل إن تركيا، كما قال، قدمت لهم دعماً بسيطاً دون حماس لنجاحهم، إذ كانت غير متفاعلة مع نجاحهم، بحسب كلام أحمد الشرع، لأن الوضع كان لصالح النظام بعد عودة التطبيع معه من دول كثيرة.
ولكن ما حصل كان توفيقاً من الله، ولاستفادة من المتاح والممكن، وتطمينات أرسلتها القيادة الجديدة للخارج والجوار بأن سقوط النظام لن يكون بديلاً عنه الفوضى، وأن مصالح الجميع محفوظة.
5 - لكن الأهم من ذلك أنها، بعد الوصول إلى السلطة، لم تتعامل مع الأمر باعتباره انتصاراً عسكرياً فقط، وإنما بدأت مرحلة جديدة، وهي مرحلة تثبيت الأوضاع وبناء مؤسسات الدولة والتعامل مع الداخل والخارج.
واستطاعت القيادة السورية الجديدة أن تتعامل مع الدول من حولها بسياسة متوازنة؛ حافظت على علاقتها بتركيا، وفتحت علاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، كما عملت على إعادة العلاقات مع روسيا، وفتح علاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، كما عملت على تجاوز العقوبات والتصنيفات السابقة التي كانت عائقاً أمامها وتضع الشرع كرجل إرهابي، وذلك بدعم ودور كبير من السعودية وتركيا، كما اعترف بذلك أحمد الشرع.
وهذا أمر ليس سهلاً، خاصة أن دولاً عربية وإقليمية كانت قد أعادت علاقاتها مع النظام السابق، وكانت الأمور في ذلك الوقت لا تبدو في صالح القيادة الجديدة.
6 - قد تكون هناك أخطاء في التجربة السورية، وقد يختلف الناس حول بعض خطوات القيادة الجديدة، وهذا أمر طبيعي أن تظهر أخطاء في ظل انتقال سياسي جديد تجاوز نصف قرن من سيطرة حزب البعث الاشتراكي.
7 - إذا نظرنا إلى الصورة بشكل عام، نجد أن هناك ارتياحاً عربياً وإقليمياً ودولياً لما تم إنجازه حتى الآن، وإذا استمرت القيادة السورية بهذا النهج، فمن الممكن أن تشهد سوريا خلال السنوات القادمة مزيداً من الاستقرار والبناء والتنمية.
8 - وهنا نأتي إلى الجنوب واليمن بشكل عام. الشرعية اليمنية كانت تحظى منذ انطلاق عاصفة الحزم بتأييد ودعم دولي وإقليمي كبير، كما كان هناك التفاف من دول التحالف العربي حولها، وكان من الممكن أن تستفيد الشرعية من ذلك الدعم وتقدم نموذجاً جيداً في المناطق المحررة، لكن للأسف لم تستطع المناطق المحررة أن تقدم النموذج الذي كان الناس ينتظرونه.
9 - بالنسبة للجنوب، وبعد تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أصبح للمجلس حضور واسع في محافظات الجنوب، وأصبحت لديه قوات عسكرية واعتراف إقليمي ودولي قبل أن ينهار ذلك في يناير المنصرم، وكان من الممكن أن يتحول هذا التميز إلى فرصة لبناء نموذج جنوبي جيد في الإدارة والعمل المؤسسي والتنمية وفق المتاح الممكن.
كما كان أغلب أبناء الجنوب ينظرون إلى تقدم القوات الجنوبية في ديسمبر الماضي باعتباره خطوة يمكن أن تقود إلى مرحلة أفضل من المكاسب والحفاظ على ما هو باليد، لكن للأسف حصل العكس.
ولا نريد هنا تشخيص أسباب ما حصل من انتكاسة، ولكن كان للقيادة الجنوبية أن تحافظ على توازن في علاقاتها بما لا يؤدي إلى أي تفكك أو انهيار أو مواجهة ليست في صالح الجنوب. لكن الذي حصل أن الأمور أخذت اتجاهاً آخر، وتراجعت كثير من الآمال التي كانت موجودة.
ولولا جهود عدد من القيادات العسكرية الجنوبية في الحفاظ على ما تبقى من القوات والمؤسسات والاستقرار، لكانت الأمور أصعب وأكثر انهياراً.
10 - هنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة نستفيدها من سوريا: القوة العسكرية وحدها لا تكفي للحفاظ على ما هو تحت اليد، لأن موازين القوة قد تتغير لصالح الخصوم.
ولكن القيادة السياسية أو العسكرية تحتاج إلى أن تقدم نموذجاً جيداً للناس، وتعزز الاصطفاف الداخلي، وتتحلى بالذكاء السياسي في الخطاب الجامع للجميع؛ فالناس تنظر إلى ما يتحقق على الأرض وكيف تحافظ عليه.
لأن تحقيق النصر قد يتم، ولكن الأهم هو كيف تضمن الحفاظ عليه. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نستفيد منه من تجربة إدلب السورية.
11 - التجربة السورية في إدلب لم تكن تمتلك إمكانيات دول، وإنما استفادت من المتاح، ومع ذلك استطاعت القيادة أن تقدم نموذجاً إيجابياً لأربعة ملايين مواطن.
12 - وأخيراً، هنا نقطة مهمة:
البناء الداخلي أهم من أي شيء آخر.. الخارج عامل مساعد للداخل إذا أرادت أي قيادة النجاح.
وانظروا ماذا قال الرئيس أحمد الشرع عن العلاقة مع الخارج وأهمية وحدة الصف الداخلي، وكيف استطاعت القيادة أن تجعل الخارج يحترمها قبل وصولها إلى دمشق.
المطلوب هو تصحيح المسار، والبناء من الداخل، وتوحيد الصف، والاستفادة من المتاح والممكن، لأن الحفاظ على ما تحقق قد يكون أهم من تحقيق مكاسب جديدة لا يمكن الحفاظ عليها.