​منذ انطلاقة المسيرة الجنوبية الأولى لم يكن ينقصنا الشارع، كان ينقصنا مشروع، ومشكلتنا حتى اليوم ليست في غياب القضية، بل في طبيعة من تصدروا قيادتها.

قياداتنا في الجنوب أتقنت شيئاً واحداً بامتياز: مخاطبة العاطفة. الخطاب الحماسي، الشعارات المرفوعة، البيانات النارية التي تجلب التصفيق في الساحة. هذا هو رأس المال السياسي الذي جُمع على مدى عشرات السنين. لكن التصفيق لا يبني دولة. 

والشعبوية التي تراهن على استحسان الشارع اللحظي تخاف من القرار الصعب، وتتهرب من المسار الطويل.. فكانت النتيجة حراكاً بلا بوصلة استراتيجية، وثورة بلا مسار سياسي مزمن، وهدفاً معلناً بلا خطة وصول.

في بدايات الحراك، عندما كان العالم لا يزال يستمع، طُرِح في مؤتمر القاهرة المنعقد في 19–21 نوفمبر 2011م ، لمناقشة مشروع دولة الرئيس حيدر أبوبكر العطاس، مشروع مختلف تماماً. لم يكن خطاباً عابراً. كان خارطة طريق: فيدرالية مؤقتة مدتها خمس سنوات، تنتهي باستفتاء حق تقرير المصير. 

هذا هو تعريف السياسة، أن تحول المطلب من شعار إلى جدول زمني قابل للتفاوض، وأن تتحدث بلغة الأعراف الدولية والتوازنات الإقليمية والمصالح الكبرى.

لكن بدلاً من أن يُحتضن المشروع ويُطوّر، تعرض لحملة تخوين فورية. صدرت بيانات تخاطب الغريزة لا العقل ، وسبقتها اتهامات أغلقت الباب أمام النقاش. 

بل إننا توجهنا إلى مدينة حريضة، مسقط رأس دولة الرئيس حيدر أبوبكر العطاس، يوم الجمعة 18 نوفمبر 2011م، لإحياء فعاليات جماهيرية رفضاً لما اعتبرناه أنصاف حلول .

وقيادات أخرى، تفتقر لأي خبرة في دهاليز السياسة الدولية وطبيعة المصالح، اختارت الطريق الأسهل: رفع سقف الخطاب عالياً، وتفريغه في الوقت نفسه من أي محتوى تفاوضي على الأرض.

كانت بدايات المجلس الانتقالي الجنوبي سليمة، فقد دخل في غمار مشاورات الرياض وما تمخض عنها من مسارات سياسية للشراكة مع الحكومة الشرعية.

وتمثل ذلك في دخول الرئيس عيدروس الزُبيدي مجلس القيادة الرئاسي، ما وفّر للجنوب قاعدة صلبة للبناء الهيكلي عسكرياً ومدنياً تحت مظلة الشرعية، كما أتاح له فرصة لرفع قضيته إلى المحافل الأممية .

إلا أن أصواتاً شعبية بدأت تنتقد ما وُصف بـ "الطريق الآمن"، وراح البعض يهاجم هذا النهج ويصفه ساخراً بـ "التكتكة". ومع الوقت انحاز المجلس لمن نصحه بمخاطبة الشارع مباشرة ونيل تصفيقه وتتويجه في القلوب والعواطف. وعند تلك النقطة بدأت الظروف تدفع نحو العودة إلى المربع صفر، ولا داعي لخوض تفاصيلها هنا .

ودفعنا ثمن هذا الخيار غالياً. لو أن تلك اللحظة سارت في مسارها، لكان أمامنا اليوم سيناريوان فقط: إما أن نكون قد أنهينا الخمس سنوات، وحتى إن مُدد المشروع خمس سنوات أخرى لكنا قد بلغنا الاستفتاء، أو أننا حتى لو تأخرنا نكون قد قطعنا شوطاً سياسياً حقياً نحاسب عليه العالم. 

لكننا اخترنا أن نُبقي القضية رهينة المزاج اليومي والرد الفوري. اخترنا قيادة لا تعرف كيف تفاوض، ولا كيف تبني تحالفات، ولا كيف تترجم الشارع إلى أوراق سياسية.
 
فبقينا ندور في نفس المربع لعقود ، نعيد إنتاج نفس الشعارات، وننتظر الظرف الإقليمي أن يحن علينا. وفي مشروع "الطريق الآمن" للمجلس الانتقالي الجنوبي آثرنا القفز فوق المراحل المرسومة، فكان ما كان.

الشعب الجنوبي لا يحتاج من يصفق له كل جمعة. يحتاج من يرسم له السنوات الخمس القادمة. يحتاج قيادة تجرؤ على قول الحقيقة: أن الطريق إلى الدولة لا يمر فقط عبر الحناجر، بل عبر الغرف المغلقة، وعبر التنازلات التكتيكية، وعبر فهم أن السياسة الدولية لا تُدار بالعاطفة.

تجربة القاهرة لم تكن خيانة . كانت محاولة لإنقاذ هدر الزمن . ومن وأدها ببيانات شعبوية هو من مدّد معاناتنا لعقدين إضافيين. 

وكذلك تجربة "الطريق الآمن" للمجلس الانتقالي الجنوبي لم تكن خطأ في ذاتها ، بل الخطأ كان في الانجرار وراء الرغبة الشعبية للقفز على المراحل دون روية.

الشعب يمكن أن يمنحك التصفيق ، ولكنه يريد منك أن تقوده إلى المشروع الذي يحقق تطلعاته ، لا أن تنقاد إليه القيادة.

والسؤال الآن ليس من يستقطب تصفيقاً شعبياً أكثر ، بل من يمتلك الشجاعة ليوقف مسلسل استجداء الشعب من خلفه، ويبدأ مشروعاً سياسياً حتى لو كان بعيد المدى ، حتى لا نستيقظ بعد عشر سنوات أخرى ونكتب نفس هذا المقال.