أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:27 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حضرموت بين السيرك السياسي وانسداد الأفق

    طه حسين بافضل




    الواقع الحضرمي يجعلني أترنم بقول الشاعر:

    لقد هزلت حتى بدا من هزالها

    كلاها وحتى سامها كل مفلس

    المشهد السياسي في حضرموت اليوم يتجاوز حدود العجز الإداري التقليدي، ليدخل رسميًا في مرحلة الملهاة السريالية؛ حيث لم يعد الهزال مجرد تعثر في إدارة الأزمات، بل تحوّل إلى حالة من النفاق السياسي المنظم الذي يستغفل الناس جهارًا.

    فالبيت القديم الذي يحذر من تجرؤ المفلسين حين يبلغ الهزال مداه، لا يقدم مجرد استعارة بلاغية، بل يصوغ تشخيصاً بنيوياً حاداً لما آلت إليه الأوضاع؛ لحظة تساقط الأنسجة الواقية، وانكشاف القضية الحضرمية في عريها المأساوي أمام هواة الصدفة ومتسلقي اللحظة، بعدما جُرّدت من ثقلها التاريخي ورزانتها المعهودة، ولُطخت في سوق المزايدات الرخيصة حيث يتساوى العارف بالجاهل، والمخلص بالمرتزق.

    تتجسد المفارقة الأكثر إيلاماً في هذا الفصام النكِد بين طنطنة الخطاب وهوان الممارسة. يتزاحم على المنصات والميكروفونات أدعياء يرفعون شعارات السيادة والانتزاع والكرامة في الصباح، ليغدوا في المساء وفوداً متزاحمة عند أعتاب الكفلاء والممولين، يرجون مقعداً في طائرة أو التقاط صورة تذكارية تُصنع بها بطولة وهمية على شبكات التواصل.

    تتوالى المكونات والائتلافات كما تفرخ الفطريات بعد كل زخة مطر، وكلما تأسس دكان سياسي جديد ادعى تمثيل حضرموت، بينما الحقيقة الناصعة أن هؤلاء المفلسين لا ينتزعون سوى المكافآت الشخصية، في الوقت الذي تحولت فيه معاناة الناس مع انقطاع الكهرباء وانهيار العملة وتدهور الخدمات إلى«بزنس» سياسي ومالي يقتات عليه أمراء اللحظة الطارئون.

    يتآكل التفاؤل بمستقبل مشرق وسط هذا الركام الفاسد، ليصبح الحديث عن غدٍ أفضل في ظل هذه الطبقة السياسية المتطفلة نوعًا من التدليس الذاتي والتضليل الممنهج. كيف لبناة المستقبل أن يكونوا هم أنفسهم من اختزلوا جغرافيًا وتاريخًا بحجم حضرموت في مجرد ملف للتفاوض الشخصي وتحسين شروط الانبطاح؟ الأفق لا ينسد بالمصادفة البحتة، بل يُغلق بصرامة بفعل فاعل؛ يُغلق لأن استمرار المأساة هو الشرط الوحيد لاستمرار هؤلاء المفلسين في تصدر المشهد، ولأن تعميق العجز بات يضمن بقاء الساحة حكرًا على من أتقنوا فن الركوع وتوزيع الأوهام على مجتمع طافح بالمرارة والخذلان.

    تغدو التعرية الصريحة والتهكم النافذ واجباً نقديًّا لا يقبل المساومة أو المداراة. لم يعد هناك أي متسع لتجميل القبح أو تعميد الشرعيات المزيفة بالصمت المريب؛ فحين يبلغ النفاق حداً يهدد بمسح الهوية وتجريف المجتمع عن قضاياه المصيرية، يكون خلع الأقنعة وتسمية الأشياء بأسمائها الخطوة الأولى لكسر هذه المهزلة. لن تستعيد حضرموت عافيتها ولا مهابتها التاريخية إلا عندما يُسقط الناس هيبة المهرجين، ويُدركون أن مجاراة هذا السيرك السياسي أو الاكتفاء بالفرجة عليه ليس سوى تواطؤ مباشر في بيع الحاضر والمستقبل بأبخس الأثمان.

المزيد من مقالات (طه حسين بافضل)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال