بناءً على التطورات الميدانية، انتقلت الحرب من مواجهات حربية داخلية إلى حرب سيطرت على الممرات البحرية، وهناك تحولات لصالح الحكومة المعترف بها دوليًا، تبرز أو تتحدد صورها في توحيد مظلة وزارة الدفاع بتنسيق سعودي، مع إعادة تفعيل سلاح الجو، وفتح جبهات متزامنة: الجوف، ومأرب، والبيضاء، والضالع، والساحل.
وهناك مؤشرات على انسداد مسار العودة إلى التسوية السياسية التي جرى الحديث عنها قبل اندلاع هذه المواجهات العسكرية والحربية، مع تقديرات بأن هذه الحرب قد دخلت مرحلة «مواجهة إقليمية شاملة»، مرتبطة بالصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني.
وفي المسار الاقتصادي، نتابع وجود انقسام نقدي ومصرفي حاد تشهده صنعاء، تبرز أبرز صوره في حرب العملات والجبايات، والقيود على البنوك، ومنع صرف فوائد الودائع، وتقييد عمليات السحب. وقد خلق ذلك أزمة سيولة وفقدانًا للثقة بالجهاز المصرفي.
ولا يمكن أن تغيب الإشارة إلى أن النفط في مأرب يظل الورقة الاقتصادية المهمة والحاسمة للحكومة الشرعية، بينما تسعى جماعة الحوثي إلى رمي ثقلها العسكري بغرض السيطرة على مواقع منابع النفط في مأرب، لاستخراج النفط وتصديره عبر البحر الأحمر.
وهنا أيضًا، لابد من الإشارة إلى وجود كلفة إنسانية لهذه الحرب، تبرز مؤشراتها في وجود أكثر من 100 ألف نازح خلال التصعيد الأخير للحرب، إضافة إلى أن آلاف النازحين عبروا إلى جيبوتي.
وهنا نود القول إن الاستجابة الإنسانية لليمن للعام الحالي 2026 ستحتاج إلى أكثر من ملياري دولار.
وفي قراءة لأسواق الطاقة، سنجد أنها هي الأخرى قد تأثرت بشكل مباشر بهذه الحرب والمواجهات التي تشهدها اليمن؛ فقد تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، في ظل المخاوف من اضطراب الملاحة في باب المندب، وبروز أضرار لعل أبرز صورها ما تعرضت له شركة أرامكو النفطية السعودية، والتي اضطرت إلى إلغاء أو تعليق بعض الشحنات الموجهة إلى أوروبا، والتوجه إلى مسارات بديلة.
كما أن الموانئ الغربية للسعودية على البحر الأحمر أصبحت هي الضامن لتأمين تدفق السلع إلى دول الخليج، رغم الصعوبات والتحديات التي تواجهها.
ولا يمكن تجاهل أن البحر الأحمر وباب المندب، في ظل هذه التطورات، أصبحا جبهة توتر معنية بتشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وتحديد أمد الصراع المتوقع إطالته، كأوراق وأدوات ضغط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الحالية.
ويمكننا هنا الوصول إلى أن الحرب لم تعد صراع سلطة داخليًا في اليمن فقط، بل أصبحت معادلة ردع إقليمية، يمكن أن يكون عنوانها: «الجغرافيا البحرية كسلاح».
وهناك أيضًا ملاحظة مهمة نود الإشارة إليها، وهي أن كل تطور سيشهده باب المندب سوف يؤدي إلى رفع أسعار النفط عالميًا، وكل ضربة جوية على مطار صنعاء يترجمها الحوثيون إلى ضربات على منشآت الطاقة السعودية.
وهناك أيضًا مؤشر خطير لا يمكن تجاهله وطنيًا، وهو مخطط تحويل مناطق الشرعية إلى جيوب متقطعة، وبالذات ما يستهدفها الحوثيون على خط تعز ـ عدن.
كما أنه لا يمكن تجاهل التوقعات الممكن حدوثها في ضوء تفاعلات دول المنطقة ومصالحها، فيما إذا تم تفعيل شراكة المصالح بين تركيا والسعودية وباكستان؛ وهو ما يمكن أن يغير الكثير من حلقات توقعات مسارات هذه الحرب وتطوراتها واحتمالاتها، والتي سيكون لأمريكا وإسرائيل حضور فيها، ومبرر للسير في الخطة الأمريكية الإسرائيلية لتصعيد الحرب على إيران.