ونحن نتابع بطولة كأس الخليج 27، المقامة حاليًا في المملكة العربية السعودية، لا يمكن أن نغفل عن مشهد يتجاوز حدود كرة القدم؛ مشهد يعكس، بصورة مؤلمة، حجم التباعد الذي خلفته الأزمات السياسية والصراعات المتراكمة في اليمن.
ففي الوقت الذي يفترض أن توحّد فيه كرة القدم أبناء الوطن، نشاهد تفاوتًا واضحًا في مشاعر التشجيع تجاه المنتخب اليمني، ولا سيما في الجنوب، حيث تجد شريحة واسعة من الجنوبيين لا تنظر إلى المنتخب اليمني باعتباره ممثلًا لها بالدرجة نفسها التي ينظر إليه بها آخرون.
هذه الصورة ليست مجرد موقف رياضي عابر، بل هي انعكاس لعمق أزمة سياسية ووطنية تراكمت منذ عام 1994، وتفاقمت بفعل سنوات طويلة من الصراعات والأحداث التي أضعفت الشعور المشترك بالانتماء، وأثرت في علاقة اليمنيين ببعضهم البعض.
فالانتماء لا يمكن أن يُفرض بالقوة، والوطنية لا تُبنى بالشعارات. عندما يشعر الإنسان أن حقوقه مصانة، وأن صوته مسموع، وأنه شريك حقيقي في صناعة مستقبله، يصبح الانتماء شعورًا طبيعيًا لا يحتاج إلى إجبار.
لدينا في اليمن أزمات متعددة ومتشابكة، ومن يمسك بملفات اليمن، سواء من الداخل أو من الأطراف الدولية والإقليمية، إذا كان يبحث فعلًا عن مصلحة اليمن واليمنيين، فعليه أن يبحث عن علاج حقيقي وجذري، حتى وإن كانت بعض الحلول صعبة وقاسية على مختلف الأطراف.
فالاستمرار في إدارة الأزمة بدل حلها، أو تمكين الأدوات التي تؤدي إلى تعميق الانقسام، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد التوتر، ودفع المجتمع نحو مزيد من القطيعة وفقدان الثقة.
وإذا كان هناك خلاف سياسي حول المجلس الانتقالي الجنوبي، أو عدم قبول به من بعض الأطراف، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من نقبل ومن نرفض؟ بل: كيف يمكن أن نعيد تمثيل صوت الجنوبيين وحقوقهم السياسية تحت أي صيغة
عادلة تحظى بالقبول، وتضمن الإنصاف والشراكة؟
قد تختلف الأطراف حول شكل الدولة، أو طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب، أو مستقبل القضية الجنوبية، لكن تجاهل هذه الأسئلة لن يلغيها. بل إن تركها دون معالجة عادلة سيجعلها أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.
اليمن لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف، بقدر ما يحتاج إلى صيغة يشعر فيها الجميع أنهم رابحون في السلام، وأن كرامتهم وحقوقهم ومستقبل أبنائهم ليست موضع مساومة.
لقد افتقد الجنوبيون، على مدى عقود، الكثير من متعة الشعور بالوطن الواحد والانتماء المشترك. وربما كان ذلك من أكثر الآثار قسوة التي خلفتها الصراعات والتراكمات السياسية التي مر بها اليمن.
والانتماء الذي فُقد عبر عقود من الصراع، لن يعود إلا بحل عادل يعيد للإنسان في الشمال والجنوب الشعور بالانتماء، تحت مظلة وحدة المحبة والتعايش، لا وحدة الضم والإلحاق، وذلك ضمن الجغرافيا التي عرفها اليمنيون قبل عام 1990.