في لحظات التحول الكبرى، حين يبلغ الاضطراب الدولي تخوم الفوضى، تتجاوز الجغرافيا دلالاتها المكانية لتكتسب أبعادًا استراتيجية وجيوسياسية تتصل بالمصالح والمصائر، وقد ترتقي، في المنعطفات التاريخية الحاسمة، إلى مستوى الأسئلة الوجودية التي تمس مستقبل الدول والشعوب ومكانتها في ظل نظام عالمي مهترئ لا يزال بديله المحتمل في طور إعادة التشكيل.
ومن هذه الزاوية، فإن انعقاد الاجتماع التنسيقي نصف السنوي الثامن للاتحاد الأفريقي في مدينة العلمين المصرية، في الرابع من أكتوبر 2026، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حدثًا مؤسسيًا دوريًا فحسب، بل يمكن عده منصة أفريقية هامة تلتئم في لحظة تاريخية دقيقة على أرض عربية - أفريقية، فالعالم يمر بمرحلة اضطراب عاصفة: تتسم بتباطؤ النمو العالمي، والتوترات الجيوسياسية، وتغير المناخ، وضيق الحيز المالي، إضافة إلى تأثير الحروب في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتمويل، بما يؤكد حقيقة أن أمن الطاقة أصبح جزءًا لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي، بل والاستقرار والأمن الإقليمي والدولي.
وتشمل أجندة الاجتماع متابعة تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، وتسريع تطوير البنية التحتية المرتبطة بالمياه والصرف الصحي، إلى جانب مناقشة جهود منع النزاعات وتعزيز آليات الإنذار المبكر والاستجابة للتحديات الأمنية في القارة. ويأتي ذلك في إطار موضوع الاتحاد الأفريقي لعام 2026 المتعلق بضمان توافر المياه بصورة مستدامة وتوفير أنظمة آمنة للصرف الصحي.
وفي ظل البيئة الجيوسياسية العالمية المعقدة والمتغيرة بسرعة، تبرز ضرورة تعميق التشاور الجماعي بين الدول الأفريقية وتنسيق الجهود الرامية إلى تنفيذ أجندة التكامل القاري الأفريقي، وتعزيز قدرة القارة على مواجهة التحديات التي تؤثر في السلام والأمن والاستقرار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وتكشف الأرقام أن القارة لا تفتقر إلى مقومات القوة بقدر ما تواجه تحدي تحويل ما تمتلكه من ثروات إلى قدرة اقتصادية واستراتيجية. فوفقًا لكلافر غاتيتي، الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا، وما تؤكده كذلك مؤسسات دولية وأفريقية أخرى، تمتلك القارة نحو 30% من الاحتياطيات المعدنية العالمية، ونحو 40% من ذهب العالم، وما يصل إلى 90% من احتياطيات معادن مجموعة البلاتين، فضلًا عن نحو 60% من احتياطيات الكوبالت، وهو أحد المعادن الحيوية لصناعات المستقبل والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. كما تمتلك أفريقيا أكثر من 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميًا، إلى جانب نحو 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم وإمكانات هائلة في طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية. وبذلك لا تكمن أهمية القارة في وفرة مواردها الطبيعية فحسب، بل في كون جانب مهم منها يقع في قلب التحولات الصناعية والتكنولوجية والطاقوية التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.
وتضاف إلى ثروة الأرض ثروة بشرية وسوقية لا تقل أهمية؛ فأفريقيا هي القارة الأكثر شبابًا في العالم، إذ تقل أعمار نحو 60% من سكانها عن 25 عامًا، ويُتوقع أن يمثل الأفارقة نحو 35% من شباب العالم بحلول عام 2050. وفي الوقت نفسه، تتيح منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية سوقًا تضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، بناتج إجمالي مشترك يقدَّر بنحو 3.4 تريليون دولار، فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التنفيذ الكامل للاتفاقية يمكن أن يرفع الدخل الحقيقي للقارة بنحو 7%، أي قرابة 450 مليار دولار، بحلول عام 2035. وهكذا، فإن الميزة الاستراتيجية لأفريقيا تكمن في اجتماع عناصر نادرًا ما تتوافر بهذا الحجم في قارة واحدة: المعادن الاستراتيجية، والطاقة المتجددة، والأراضي الزراعية، والموقع الجغرافي، والسوق القارية الواسعة، والكتلة الشبابية الصاعدة. ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس اكتشاف ما تمتلكه أفريقيا، وإنما امتلاك الرؤية والإرادة والقدرة على تحويل هذه الثروات من مواد خام وطاقات كامنة إلى معرفة وتكنولوجيا وتصنيع وقيمة مضافة وفرص عمل وقوة تفاوضية، بما يمنح الاستقلال الأفريقي مضمونًا اقتصاديًا واستراتيجيًا حقيقيًا.
إن العالم الذي تجتمع فيه أفريقيا اليوم على أرض مصر ليس عالم الأمس، إذ تتسع الحروب والصراعات، والتنافس بين القوى الكبرى يحتدم، والثقة في المؤسسات الدولية تتآكل وتتراجع، فيما تتحول التجارة والطاقة والتكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد إلى أدوات لفرض القوة والنفوذ والجشع.
وإذا استعدنا استذكار رؤى الآباء المؤسسين لأفريقيا الحديثة، وجدنا أن قادة مثل كوامي نكروما استشرفوا مبكرًا معضلة الاستقلال غير المكتمل. ففي خطابه التاريخي أمام القادة الأفارقة في أديس أبابا عام 1963، ربط نكروما بين الوحدة والاستقلال الاقتصادي، مؤكدًا أن «استقلالنا الاقتصادي يكمن في وحدتنا الأفريقية»، ومحذرًا من أن الاستقلال السياسي، إذا بقي مجزأً، لن يكون كافيًا لمواجهة أشكال الهيمنة التي تتخذ أثوابًا مخادعة جديدة.
لم يكن نكروما يتحدث عن الوحدة بوصفها حلمًا رومانسيًا، بل باعتبارها أداة للقوة. فالدول تستطيع رفع أعلامها وامتلاك مقاعد في الأمم المتحدة، لكنها إذا ظلت اقتصادات صغيرة أو تابعة ومتفرقة، تصدر المواد الخام وتستورد المنتجات المصنعة وتعتمد على الخارج في التمويل والتكنولوجيا، فإن استقلالها يظل ناقصًا. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين تعني أيضًا القدرة على إنتاج الغذاء والطاقة، وتصنيع الموارد، وامتلاك التكنولوجيا، وتمويل التنمية والتفاوض من موقع أقوى. لا شك في أنها دروس وعبر أفريقية - عربية في ذات الآن.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن تحمله منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية AfCFTA. فهي ليست مجرد مشروع لإلغاء الرسوم الجمركية، بل يمكن أن تصبح إحدى أهم أدوات الاستقلال الاستراتيجي الأفريقي. غير أن التجارة الحرة سوف تظل منقوصة النتائج إذا بقيت الطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الطاقة غير مترابطة. فالطريق الذي يصل دولتين أفريقيتين، وخط السكك الحديدية العابر للحدود، وشبكة الكهرباء المشتركة، ليست مجرد مشروعات بنية تحتية؛ إنها البنية المادية للوحدة الأفريقية.
وتكتسب مشاركة فخامة الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في العلمين، بصفته رئيسًا لمجموعة تنمية الجنوب الأفريقي SADC، أهمية خاصة. فالاجتماع ناقش تكامل الأدوار بين الاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية والدول الأعضاء، ودور وكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية AUDA-NEPAD، بما يؤكد أن أجندة 2063 لا يمكن أن تتحقق من مركز واحد، بل عبر تحويل التجمعات الاقتصادية الإقليمية إلى لبنات مترابطة في مشروع قاري متكامل.
وفي هذا السياق، تتجاوز العلاقة بين القاهرة وبريتوريا إطارها الثنائي. فمصر وجنوب أفريقيا قوتان محوريتان في شمال القارة وجنوبها، ويمكن لإثراء علاقتهما من التنسيق السياسي إلى الشراكة الإنتاجية والاستثمارية أن يقدم نموذجًا عمليًا للتكامل الأفريقي. وقد شهدت العلمين إطلاق مجلس الأعمال المشترك بين البلدين.
وتُعد مصر شريكًا استراتيجيًا لجنوب أفريقيا وأكبر سوق لصادراتها في شمال أفريقيا، وشهدت التجارة الثنائية بين جنوب أفريقيا ومصر نموًا خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفع حجم التجارة الثنائية المباشرة بنسبة 26%، من 3.4 مليار راند عام 2024 إلى 4.3 مليار راند عام 2025. كما ارتفعت صادرات جنوب أفريقيا إلى مصر بنسبة 21%، من 1.3 مليار راند إلى 1.6 مليار راند خلال الفترة نفسها.
ويتضمن مجلس الأعمال المشترك عددًا من المبادرات الرئيسية، من أبرزها: إطلاق شراكة في قطاع التعدين والمعادن، إلى جانب شراكة في قطاع السيارات والتنقل بالطاقة الجديدة، وإنشاء ممر للزراعة والتصنيع الزراعي، وشراكة في مجالات الهندسة والبنية التحتية، وإنشاء منصة للطاقة المتجددة والصناعات الخضراء، وإنشاء صندوق استثماري أفريقي للمشروعات المشتركة، باعتباره أداة استثمارية للقطاع الخاص تستهدف الشركات والمشروعات القادرة على التوسع خارج أسواق البلدين والوصول إلى أسواق أفريقية أوسع.
ووفقًا للخبراء، فإن أفريقيا تواجه أربع أولويات: الاستثمار في البنية التحتية للطاقة وشبكات النقل والتخزين والربط الإقليمي؛ وتعبئة التمويل وتطوير أسواق رأس المال الأفريقية؛ وتحويل الانتقال الطاقوي إلى انتقال صناعي عبر التصنيع والقيمة المضافة ومنطقة التجارة الحرة القارية؛ والاستثمار في الإنسان والمهارات والمؤسسات بالتوازي مع الاستثمار في البنية التحتية.
ولم يكن أي وقت مضى أكثر ملاءمة، مثلما هو هذا الزمن الذي نعيشه الآن، لزيارة واستعادة الفكر النهضوي التنويري لقادة أفريقيا التاريخيين، فقد أدرك جوليوس نيريري، مثل نكروما وباتريس لومومبا ونيلسون مانديلا وجمال عبدالناصر، حقيقة أن الوحدة الأفريقية هي مصدر أساسي للقوة، ففي أكرا عام 1997، وجّه نكروما إلى الأجيال الأفريقية نداءً واضحًا: «اعملوا من أجل الوحدة بقناعة راسخة بأنه من دون الوحدة لا مستقبل لأفريقيا». وهي فكرة تختصر ما يطلق عليه اليوم «الاستقلال الاستراتيجي».
ولعل إحدى أكثر الحقائق تعبيرًا عن روح المرحلة هي تنامي وعي أفريقي مفاده حاجة القارة إلى شركاء، لا إلى قوى الهيمنة والاستعمار. فالاستقلال الحقيقي لا يعني الانتقال من دائرة نفوذ إلى أخرى، وإنما امتلاك حرية الاختيار. إن قادة ومفكرين وساسة واقتصاديين أفارقة معاصرين ما فتئوا يرددون أن أفريقيا قد نضجت، وأنها تحتاج إلى علاقات قوية وندية ومتوازنة مع مختلف القوى الدولية، وبناءً على ذلك، فإن من باب أولى أن تفرض روابط التاريخ والجغرافيا والمجاورة والمصالح المشتركة بناء شراكة عربية - أفريقية أكثر عمقًا ومؤسسية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تأثيرات وعواقب ما يجري في فلسطين، وفي المنطقة العربية عمومًا، عن القارة الأفريقية المجاورة. فقد أصبحت القضية الفلسطينية اختبارًا بالغ الدلالة لمصداقية النظام الدولي بأكمله. وبرزت جلية المخاطر الداهمة جراء المخططات الاستيطانية العنصرية التي تسعى إلى ترسيخ مبدأ أن التفوق العسكري يمنح صاحبه حق الاستيلاء على الأرض وتغيير الواقع الديموغرافي وفرض ترتيبات إقليمية بالقوة. لقد كشفت التطورات الإقليمية الراهنة أن المسألة لم تعد فلسطينية أو عربية فحسب، بل مهددات تطال وتمس كل دولة تعتمد في حماية سيادتها واستقلالها على القانون الدولي.
وعلى مقربة من مكان انعقاد الاجتماع، تتصاعد الاعتداءات والجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني المارق، والذي يعتبر آخر النظم الاستعمارية الاستيطانية في التاريخ الإنساني، ضد الشعب الفلسطيني، وفي لبنان وسوريا، والتي تنطلق من نزعات وأوهام وأساطير توسعية دينية عنصرية متطرفة تهدف إلى فرض وقائع جيوسياسية وديموغرافية واجتماعية بالقوة.
لهذه الاعتبارات مجتمعة، تبدو العلمين أكثر من مجرد مكان لاستضافة مؤتمر. إنها أرض عربية أفريقية تطل على المتوسط، عند نقطة تلتقي فيها أفريقيا بالعالم العربي وأوروبا والشرق الأوسط. وهي جغرافيا تذكّر بحقيقة مهمة: أن الفضاءين العربي والأفريقي ليسا عالمين منفصلين. فأمن الممرات الملاحية الدولية، وخصوصًا أمن البحر الأحمر والمتوسط، وأمن واستقرار القرن الأفريقي، والطاقة والغذاء والمياه والممرات والمضائق البحرية والتجارة والاستثمار، تجعل مصير المنطقتين أكثر ترابطًا مما كان عليه الحال في غابر الزمن.
وأفريقيا تدرك إدراكًا عميقًا خطورة المهددات المحدقة بالمنطقة والعالم انطلاقًا من تجربتها التاريخية مع الاستعمار والاستيطان ونهب الموارد والفصل العنصري. ولذلك فإن تمسكها بالقانون الدولي، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض الاحتلال والتوسع والتهجير والتجويع والاستيلاء على الأراضي بالقوة، ليس مجرد موقف أخلاقي؛ بل هو أيضًا دفاع عن المبادئ وقيم الحرية والعدالة والمساواة والاستقلال، وعن مصلحة أفريقية استراتيجية. ففي عالم عندما يصبح فيه حق الأقوى بديلًا عن قوة الحق، ستكون الدول الأضعف أول من يدفع الثمن.
لقد كان السؤال الكبير لجيل نكروما ونيريري ولومومبا وناصر ومانديلا: كيف نحرر الأرض والإنسان؟ أما سؤال هذا الجيل فهو: كيف نحمي ذلك الاستقلال في عالم تستخدم فيه القوى الدولية اليمينية المتطرفة التمويل والطاقة والمعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد والتعرفة الجمركية والتكنولوجيا، والحروب غير المشروعة، أدوات لتركيز القوة والثروة لخدمة مصالح الواحد في المائة الأوليغارشية، وهو عالم تناولت تفنيده نعومي كلاين وأسترا تايلور في كتابهما الصادر للتو والمعنون: «فاشية نهاية الأزمنة»، حيث تتقاطع النزعات السلطوية المتطرفة مع تركّز الثروة والقوة والتكنولوجيا، وتتراجع وفقًا للمعتقدات الكارثية للفاشية المعاصرة فكرة الحفاظ والإبقاء على المصير الإنساني أمام سياسات النجاة والهروب إلى عوالم افتراضية وهيمنة الآلة والذكاء الاصطناعي على مصائر البشرية.
وفي مثل هذا العالم، وفي مواجهة هذه المخاطر والتحديات الجدية، لن تكفي أفريقيا ثرواتها الطبيعية وحدها. فالغلبة لن تكون لمن يمتلك المعادن الاستراتيجية فحسب، وإنما لمن يمتلك المعرفة والتكنولوجيا ورأس المال والقدرات البشرية المؤهلة والقدرة الصناعية التي تحول تلك المعادن من خامات تُستخرج من الأرض وتغادر القارة إلى منتجات وتقنيات وسلاسل قيمة وفرص عمل ومصادر مستدامة لرفاه الشعوب. وقبل هذا وذاك، تتربع على سلم الأولويات لبلوغ التغيير المنشود: امتلاك الرؤية والإرادة السياسية المشتركة.
ومن العلمين، تبدو الرسالة واضحة: إن الاستقلال الذي حققته أفريقيا في القرن العشرين يحتاج إلى مضمون جديد في القرن الحادي والعشرين؛ استقلال يحوّل الثروة إلى قوة، والموارد إلى صناعة، والسوق إلى نفوذ، والتضامن إلى مصالح مشتركة، والوحدة من شعار تاريخي إلى قدرة حقيقية على الفعل. فالمعركة الأفريقية المقبلة ليست من أجل الاستقلال فحسب، بل من أجل امتلاك أدواته.