أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 09:07 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​محمد بن فريد العولقي..صمت الحكيم ووطن تنهشه الضواري

    صالح علي الدويل باراس




     وأنا على سرير العلاج في أحد مشافي القاهرة، باغتني نبأ فاجع بوفاة الشيخ محمد بن فريد العولقي رجل الدبلوماسية الجنوبي العربي الاول ، فأحسست أن شبوة والجنوب فقدت ركنًا ركينًا ليس بموته فالموت حق بل خسر آخر أصوات الحكمة والعقل التي لو سُمع صوتها في حينه لكان حال الجنوب افضل مما هو اليوم.

    كان الرجل من عناوين قليلة معه من نخب الجنوب الذين "فهموا" مبكرًا أن جنوب ما قبل الاستقلال ليس هو جنوب ما بعده وأن مصالح العالم لن تتعامل بجدية مع فسيفساء قبلية ممزقة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، ناهيك أن يأتمنها العالم على أهم ممر دولي في باب المندب وخليج عدن.

    كان يدرك بحسه السياسي أن رغبة بريطانيا في الخروج من الجنوب كانت أكثر إلحاحًا من رغبة الجنوبيين أنفسهم في إخراجها لأنها في واقع الحال "تتدفأ على مجد" إمبراطوري زالت أقوى مقوماته ولم يعد لها طاقة على تحمل كلفة البقاء.

    ولهذا آمن بعمق بالخيار الفيدرالي كطريق للانتقال التدريجي والسلمي والآمن نحو الاستقلال وبضرورة بناء جيش وطني محترف وقوي يحافظ على استقرار الدولة الاتحادية الوليدة ويجنبها منزلقات الفوضى والصراعات التي كان يراها قادمة.

    وكانت له رؤية اجتماعية ثاقبة بأن فلاح الجنوب الحقيقي يكون بتجديد قالبه التقليدي الأصيل وترميمه ، لا بهدمه لأن القوالب السياسية المستوردة التي نبتت في أوساط ثقافية واجتماعية مختلفة تمامًا ومجرد نقلها من بيئتها لا يعني نجاحها وفعاليتها بل قد تكون سلبياتها أكثر من إيجابياتها فنقلها تعسفًا أشبه ما يكون بنقل "عضو" غريب إلى جسم لا يقبله فيلفظه.

    لكنها الأقدار أو كما وصفها الإمام جعفر الصادق "إذا نزل التقدير وضع الله الآفة في التدبير" فسارت الأمور عكس ما كان يتمنى وسُلم الجنوب إلى الضفة  الأخرى من الحرب الباردة، ضفة الستار الحديدي وبقية الحكاية معروفة ، ورحل الرجل مبعدا عن بلده فلزم صمته الطويل في منفاه لأنه كان يدرك أن ما عُقد "بليل" في دهاليز السياسة الدولية يحتاج لعقود طويلة لإعادة مراجعته وتصحيحه وأن ما جرى ويجري من معارضات شكلية ليست إلا "معارضة من أجل المعارضة" لا مشروع لها ولا رؤية.

    ورحل الشيخ بن فريد والقبيلة الجنوبية هي هي لم تتغير ، أصابتها تشوهات وندوب عميقة جراء ازدواجية دورها القاتل بين الرفض والتفعيل بين التمرد على الدولة والعمل أداة لها.

    وكأني به وهو يلوذ بصمته كان يرى أمام عينيه لوحة "غيرنيكا" للفنان العالمي "بيكاسو".. "وطن تنهشه الضواري"  وطنًا يتمزق كل يوم ، وبوصلة فقدت اتزانها تماماً على يد أجيال متعاقبة من أرباب السياسة الهواة ، وهو ما كان يتحدث عنه حتى ما قبل رحيله بقليل بكثير من الأسى والحزن العميق على الوطن.

    خالص العزاء وصادق المواساة لأبنائه  الكرام والشيخ صالح بن فريد وكل أخوانه ولكل محبيه وتلاميذه في الجنوب والخليج في مصابهم الجلل ففقدان قامة بحجم الشيخ محمد فريد هو خسارة وطن برمته ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا اللهم اغفر له وأرحمه وعافه وأعف عنه وأكرم نزله.

    إنا لله وإنا لله راجعون.

المزيد من مقالات (صالح علي الدويل باراس)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال