حين تتحول الكلمة من جسر للفهم إلى أداة للتجريم، نكون قد غادرنا فضاء الرأي إلى مناخ الاستقطاب، وهذا التحول لا يعبر عن قوة في الحجة بقدر ما يعبر عن تراجع في أدواتها. ففي لحظات الالتباس الوطني يصبح الحل الأسهل هو استبدال البرهان بالتهمة، وتوزيع صكوك الانتماء، واختزال موقف سياسي مركب ومتعدد الطبقات في مفردة واحدة جاهزة للتداول السريع، بينما المقتضى الذي تفرضه مسؤولية الكلمة أن نحاكم الفكرة بأدوات التحليل، وأن نضع القول في سياقه الزمني والموضوعي، وأن نميز بين الموقف المعلن الذي يقرأ من النص، وبين النية التي لا يملك أحد حق الادعاء بمعرفتها.
قضيتنا الجنوبية التي نتمسك بها جميعًا كقضية شعب وتطلعات راسخة وحق عادل، لا تقاس بحدة الخطاب الذي يدعي تمثيلها، بل بقدرة هذا الخطاب على إدارة التنوع داخله وتحويله إلى مصدر قوة. فحين يصبح معيار الانتماء هو التطابق المطلق مع رؤية واحدة، فنحن لا نحمي القضية بل نضيقها، ونمارس دون قصد ذات السلوك الإقصائي الذي نرفضه من غيرنا، وهو تحويل الجنوب من مشروع وطني جامع إلى مجال مغلق لتصفية التباينات. والموقف المبدئي في السيادة لا يتجزأ ولا يقبل الانتقائية، فالمبدأ الذي يرفض أي مشروع يمس كياننا وهويتنا يستوجب بالضرورة ذات الصرامة في رفض أي تدخل ينتقص من القرار الوطني أو يمس الحقوق والموارد، حتى لا يفرغ المبدأ من مضمونه ويتحول إلى وجهة نظر.
من الزاوية القانونية، الفارق واضح وحاسم بين النقد السياسي المكفول وبين القذف والتشهير. النقد يتناول قولًا منشورًا أو سياسة معلنة أو موقفًا عامًا فيقومه بالحجة والدليل، أما التجريم الشخصي فيغادر الفكرة إلى صاحبها فينال من ذمته وانتمائه. والقاعدة القانونية المستقرة أن البينة على من ادعى، وأن الشك يفسر لصالح المتهم، وأن الأصل في الناس البراءة. القانون لا يحمي الأفكار من النقاش ولا يمنع تفنيدها، لكنه يحمي الأشخاص من التشهير والاغتيال المعنوي. وإطلاق أوصاف كبيرة كالعمالة والارتزاق دون دليل مادي موثق وقابل للفحص لا يندرج ضمن حرية التعبير بل يمثل إخلالًا بها، ويفقد صاحبه الحصانة الأخلاقية التي يمنحها المجتمع عادة للرأي المسؤول. والدولة الضامنة التي ننشدها جميعًا أول أركانها دولة قانون ومؤسسات تصون كرامة الأفراد كما تصون حقوقهم.
دبلوماسيًا، لا يمكن لخطاب داخلي يقوم على تبادل الاتهامات أن ينتج صورة خارجية متماسكة لمشروع يحظى بالاحترام. فالمتابع الإقليمي والدولي لا يقرأ في التراشق الداخلي دليل قوة، بل يقرأه كمؤشر على هشاشة في إدارة الخلاف. والدبلوماسية الرصينة لا تبنى على تعبئة ضد الداخل، بل على تقديم سردية مسؤولة تقول للعالم بلغته إننا نختلف باحترام ونلتقي على قاعدة وطنية، وإننا نميز بوضوح بين الخصم الاستراتيجي الذي يهدد كياننا ومستقبلنا وبين الشريك في الوطن الذي قد نختلف معه في تقدير اللحظة وترتيب الأولويات.
مجتمعيًا، رأس مالنا الحقيقي في عدن والجنوب هو هذا الإرث المدني العميق الذي يجعلنا نختلف في الشأن العام وتقييم الملفات ثم نجتمع في المجلس الواحد إخوة وجيران تربطنا أواصر لا تهزها التباينات. حين نستبدل هذا الإرث بقاموس يومي يقسم الناس إلى قوائم صمود وخيانة، فنحن لا نحمي المجتمع بل نستنزفه ونحول طاقته من البناء والتراكم إلى الريبة والتحفز المتبادل. الشجاعة في معناها المجتمعي ليست في سهولة التجريح، بل في القدرة على قول كلمة مسؤولة ومتزنة حين يكون التجريح هو الأكثر رواجًا.
إن معركة الخلاص التي ننشدها لا تحتمل الحياد أمام المشاريع التي تستهدف وجودنا، وهذا لا خلاف عليه، لكنها في ذات الوقت لا تحتمل أن نخسر فيها بعضنا بحجة حمايتها. فالقضايا لا تضعف بهجوم خصومها بقدر ما تضعف حين يتولى أبناؤها تفكيكها من الداخل. ومن أراد أن يكون صوتًا حرًا فليكن حرًا حتى في خصومته، ناقدًا لا قاذفًا، ومفكرًا لا مصنفًا للناس، ورجل دولة يدرك أن الوطن الذي لا يتسع اليوم لسماع رأيين مختلفين باحترام، لن يتسع غدًا لمؤسسات ودستور وقانون.