حين حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في إحاطته أمام مجلس الأمن يوم 9 أكتوبر، من أن اليمن عاد إلى حرب واسعة النطاق، وأن المواجهات امتدت إلى جبهات متعددة، لم يكن ذلك مجرد توصيف عسكري لتصاعد القتال، بل إنذارًا جديدًا بشأن بلد لم يكد يلتقط أنفاسه من سنوات الحرب حتى وجد نفسه أمام فصل آخر من فصولها.
لكن ما يلفت الانتباه في المشهد اليمني أن الحديث عن الحرب لا ينفصل، في كثير من الأحيان، عن الحسابات الإقليمية والدولية، وعن المواقع الاستراتيجية والممرات البحرية وأمن الطاقة والتجارة العالمية. ففي 22 سبتمبر، شددت مجموعة السبع على أن التطورات في اليمن تهدد الاستقرار والأمن الإقليميين، وأمن الطاقة العالمي، وسلامة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وهنا يفرض نفسه سؤال لا يقل أهمية عن الأسئلة العسكرية والسياسية: حين يتحدث العالم عن أمن باب المندب، أين يقف الإنسان اليمني في هذه المعادلة؟.
لا أحد ينكر أهمية استعادة الدولة سيادتها على مواقعها الاستراتيجية، ولا يمكن تجاهل أهمية الحد من نفوذ الجماعات المسلحة على الممرات الحيوية. ومن هذا المنطلق، فإن إعلان الحكومة استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية حول باب المندب يُعد تطورًا مهمًا، لكن أهميته لا ينبغي أن تحجب الأسئلة الأعمق: من يصنع القرار؟ ومن يملك زمام المبادرة؟ ومن يحصد نتائج هذه التطورات؟.
أنا لا أعارض استعادة مؤسسات الدولة سيطرتها، ولا أدافع عن جماعة الحوثي أو عن أي طرف جعل اليمن ساحة للصراع. لكنني لا أرى أن كل تحوّل عسكري يمكن الاحتفاء به بوصفه نصرًا وطنيًا مكتملًا، قبل أن نسأل عن طبيعة هذا النصر، وعن استقلال القرار الذي يقف وراءه، وعن انعكاساته الفعلية على حياة اليمنيين.
فحين تبدو تحركات القيادة مرتبطة، في نظر كثيرين، بحسابات القوى الخارجية ومواقفها، وحين تتكرر مناشدات المسؤولين طلبًا للدعم، يصبح من المشروع أن نسأل: إلى أي مدى تملك الدولة قرارها؟ وهل نحن أمام استعادة حقيقية للسيادة الوطنية، أم أمام تغيّر في موازين السيطرة والنفوذ، بينما يبقى المواطن اليمني بعيدًا عن صناعة القرار وعن ثمار أي انتصار؟.
من يسيطر على باب المندب سؤال مهم، لكن السؤال الأهم: ماذا تعني هذه السيطرة لليمن واليمنيين؟.
هل ستنعكس على أمن الناس واستقرارهم؟ هل ستفتح الطريق أمام استعادة مؤسسات الدولة لدورها، وتحسين حياة المواطنين، وإعادة بناء ما دمرته الحرب؟ أم ستظل المواقع الاستراتيجية محطّ تنافس القوى، فيما يدفع اليمنيون ثمن الصراع من أعمارهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم؟.
لقد امتدت الحرب في اليمن أحد عشر عامًا، ولم تسرق من الناس طفولتهم وحدها؛ بل استنزفت أعمار أجيال كاملة. أطفال كبروا قبل أوانهم، وشباب أُغلقت أمامهم أبواب المستقبل، وكبار سن أنهكهم الانتظار، وأسر تعيش يومها في مواجهة الخوف والحاجة، ولا تعرف متى تستعيد حقها في حياة طبيعية.
هناك من يحنّ إلى الماضي، لا لأنه كان مثاليًا، بل لأن الحاضر صار أثقل من قدرة الناس على الاحتمال. وهذه وحدها شهادة موجعة على حجم ما فعلته الحرب ببلد كان أبناؤه يحلمون بحياة أكثر استقرارًا وكرامة.
وفي الوقت الذي تتنافس فيه الأطراف على النفوذ والمواقع، يُزجّ بأطفال إلى جبهات القتال، ويُحرمون من مدارسهم وطفولتهم، وتواجه أسر الجوع وسوء التغذية، فيما يعيش كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة أوضاعًا قاسية، ويجد كثير منهم أنفسهم على هامش الاهتمام والرعاية.
وكأن حقوق هؤلاء يمكن تأجيلها إلى ما بعد المعارك، وكأن على الإنسان أن ينتظر انتهاء الصراع كي يستحق الغذاء والتعليم والعلاج والأمان.
لكن من قال إن حياة الإنسان يمكن تأجيلها؟ ومن منح أي طرف حق استهلاك أعمار الناس باسم النصر أو السيادة أو حماية المصالح؟.
قد تُستعاد الممرات في أي وقت، وتُرمَّم المدن مهما طال الدمار، لكن عمر الإنسان الذي تستهلكه الحروب هو الثمن الذي لا يمكن تعويضه.
لهذا، لا أريد أن يتحول الحديث عن باب المندب إلى احتفاء بالموقع الاستراتيجي وحده، ولا أن تختزل اليمن في مضيق تمر عبره السفن، أو ورقة تفاوض تتبادل القوى استخدامها لتحقيق مصالحها. فاليمن ليس خريطة للممرات البحرية فقط، ولا ساحة مفتوحة لاختبار النفوذ؛ إنه وطن يسكنه بشر لهم الحق في الحياة والأمان والكرامة.
- الإنسان اليمني أغلى من أي ممرات مائية ومكاسب سياسية
إن استعادة السيطرة على المواقع الاستراتيجية لا تكتمل قيمتها بمجرد رفع راية أو تغيير الجهة المسيطرة، بل بما تفتحه من طريق نحو السلام، وبما تحققه من أمن للناس، وبما تعيده إليهم من حقوق سُلبت طوال سنوات الحرب. أما إذا بقي المواطن جائعًا وخائفًا ومهمّشًا، وظل مستقبل أبنائه رهينة الصراع، فإن السؤال عن معنى النصر سيبقى قائمًا، مهما تبدلت خرائط السيطرة.
لقد تعب اليمنيون من الحرب، كما تعب العالم من مشاهد القتل والدمار، ومن خطاب الكراهية والاستقواء، ومن تحويل البشر إلى وقود لمصالح لا تنتهي. ولم يعد السلام ترفًا يمكن تأجيله، بل ضرورة لحماية ما تبقى من الإنسان والوطن.
لكن السلام لا يعني الاستسلام للقوة، ولا التنازل عن الحقوق، ولا منح الأقوى حق تقرير مصير الآخرين. السلام الحقيقي هو أن تتوقف الحرب دون أن يُسلب الناس حقهم في العدالة والكرامة، وأن يصبح الاختلاف سببًا للتفاهم لا ذريعة للإقصاء والعنف.
وفي النهاية، ليست أمنيتي لليمن وحده أن يخرج من حربه، بل للعالم كله أن يتعلّم كيف يخرج من دائرة العنف والاستقواء والكراهية. أن ندرك، مهما اختلفت ثقافاتنا وأدياننا وأوطاننا، أن حق الحياة والكرامة والسلام ليس امتيازًا تمنحه القوة، بل حق لكل إنسان.
ليس مطلوبًا من البشر أن يتشابهوا، ولا أن يتفقوا في كل شيء؛ بل أن يحترموا اختلافهم، وألّا يجعلوا منه ذريعة لإلغاء الآخر أو إذلاله أو سلبه حقه في الحياة. فالقوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، بل في القدرة على التعايش معهم بكرامة وعدل واحترام.
نعم للحب، وللاحترام، ولغة السلام. لا للعنف، ولا لتقزيم الآخر، ولا للاستقواء، ولا للحروب التي تجعل الإنسان وقودًا لمصالح لا تنتهي.
فالأرض ليست ملكًا للأقوى وحده، والحياة ليست حقًا لمن يملك السلاح والنفوذ أكثر من غيره. إنها مساحة نتشاركها جميعًا، ومسؤوليتنا أن نجعلها أكثر أمانًا لمن يعيشون عليها.
ويبقى الأثر… لأن الإنسان، أيًّا كان وطنه أو دينه أو ثقافته، يستحق أن يعيش بسلام، لا أن يقضي عمره في انتظار نهاية الحرب.