في جنوبنا الحبيب، يبدو البحر وعدًا مفتوحًا بالرزق والاتصال بالعالم. لكن اتساع الأفق لا يعني بالضرورة اتساع الفرص. فقد تقف مدينة على ساحل استراتيجي، بينما تضيق سبل العيش بأهلها، ويبحث شبابها عن منفذ للهجرة. هنا يبرز السؤال: كيف يتحول البحر من مشهد جغرافي إلى قوة اقتصادية يشعر المواطن بأثرها؟.
الموقع فرصة تحتاج إلى مؤسسات واستثمارات وسياسات تحسن استغلالها. والسفينة التي تمر قرب الساحل لا تترك دخلًا لمجرد مرورها، كما أن وجود الميناء لا يضمن ازدهار المدينة. القيمة تُصنع بتقديم خدمات كفؤة، وربط التجارة بالإنتاج المحلي، وإقامة بيئة يمكن الوثوق بقواعدها.
ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى عدن والمكلا وسواحل الجنوب باعتبارها أساسًا لشبكة إنتاج وخدمات: موانئ تربط التجارة بالمناطق الداخلية، ومراكز تخزين وتوزيع، ومرافق لصيانة السفن، وصناعات لتجهيز الأسماك وتعليبها، ومعاهد لتأهيل العاملين في المهن البحرية. فالميناء يستمد قيمته من النشاط الاقتصادي الذي ينشأ حوله.
وفي الثروة السمكية، تظهر المفارقة بوضوح: موارد بحرية يمكن أن تدعم الغذاء والتشغيل والتصدير، بينما يؤدي غياب التصنيع، وبخاصة تعليب الأسماك، إلى فقدان جانب مهم من قيمتها. فبيع الأسماك خامًا يحرم الاقتصاد من فرص عمل ودخول يمكن أن توفرها عمليات التجهيز والتبريد والتعليب والتسويق، ومن إيرادات تستطيع رفد المالية العامة.
والأخطر أن تعطيل القوانين والضوابط المنظمة للصيد يترك البحر مفتوحًا أمام من يمتلك القوة والنفوذ، سواء من الداخل أو الخارج. وحين تغيب الرقابة الفعلية على التراخيص ومواسم الصيد وأدواته ومناطقه، تتسع فرص الصيد الجائر والتجريف، ويصبح الصياد الصغير الحلقة الأضعف، فيما يُستنزف المخزون الذي تقوم عليه معيشته وحقوق الأجيال المقبلة.
إن حماية البحر مسؤولية اقتصادية وسيادية تستدعي إنفاذ القانون على الجميع، ومراقبة السفن والمصايد، ومنع الوسائل المدمرة للبيئة البحرية، وربط التراخيص بقدرة المخزون على التجدد. كما تتطلب دعماً للصيادين وتعاونياتهم، حتى يستطيعوا العمل ضمن منظومة تحمي المورد وتضمن عدالة الانتفاع به.
لكن هذه المنظومة تحتاج إلى بنية أساسية على اليابسة: كهرباء موثوقة، وطرق صالحة، ومراكز إنزال وتبريد، ومختبرات للجودة، وتمويل ميسر للمشروعات الإنتاجية. فغياب هذه المقومات يرفع الكلفة ويضعف القدرة على التصنيع والتصدير، مهما كانت وفرة الأسماك.
وتحتاج التنمية الساحلية أيضًا إلى عقود استثمار معلنة ورقابة مستقلة، تمنع تحويل الشواطئ والثروات إلى امتيازات مغلقة. ويُقاس نجاح الاستثمار بما يخلقه من وظائف ومعرفة وقيمة محلية، وبمدى حفاظه على البيئة وحقوق المجتمعات الساحلية.
أما مستقبل الجنوب، فيحتاج إلى مشروع يجعل البحر ركيزة للاستقلال المالي وتنويع الاقتصاد. البحر أمامنا، لكن مفاتيح الانتفاع به موجودة في المؤسسة والقانون والتصنيع وحسن الإدارة. والسؤال هو: هل نبني اقتصادًا يعيش من البحر ويحميه، أم نترك الأقوى يستنزفه، ثم نورّث أبناءنا ساحلًا واسعًا وفرصًا تضيق؟.