لم تعد تعز أمام مجرد تصعيد عسكري جديد، إنها أمام محاولة لإعادة عقارب الزمن إلى سنوات الحصار والخوف والجوع.
مليشيات الحوثي تدفع بالمعركة مجددا نحو تعز، وتهاجم مواقعها ومحيطها، وتعمل على قطع طرق الإمداد والوصول، فيما يجد المدنيون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة حرب لا يملكون قرارها، لكنهم يدفعون ثمنها من أرواحهم وأمنهم وأرزاقهم.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه التقارير الإنسانية عن نزوح واسع، وتعطل طرق الإمداد، ونقص متزايد في الغذاء والدواء والوقود، وضغط هائل على المستشفيات. وقد سجلت منظمة الهجرة الدولية أكثر من 230 ألف شخص تعرضوا للنزوح منذ بداية العام حتى 10 أكتوبر، بينهم عشرات الآلاف في موجات النزوح الأخيرة المرتبطة بتصعيد القتال في تعز والمناطق المحيطة بها.
لكن خلف هذه الأرقام مأساة لا تظهر في البيانات.
خلف كل أسرة نازحة بيتٌ أُغلق، وطفلٌ انقطع عن مدرسته، وأم حملت ما استطاعت من متاعها وخرجت لا تعرف أين ستنتهي بها الطريق.
وفي تعز تحديدا، تتفاقم الكارثة مع إغلاق الطرق وارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية، بينما تواجه المستشفيات أعدادا متزايدة من الجرحى ونقصًا في المستلزمات الطبية. وقد حذرت جهات إغاثية من أن استمرار القتال وقطع الطرق قد يحول الأزمة سريعا إلى كارثة إنسانية واسعة.
وهنا يجب أن نقولها بلا مواربة:
الحصار ليس انتصارا، تجويع المدنيين ليس بطولة، وقصف المدن لا يصنع دولة.
مليشيات الحوثي مطالبة بأن تتوقف عن جعل المدنيين وقودا لمشروعها العسكري والسياسي، وأن تفتح الطرق أمام الغذاء والدواء والمساعدات، وأن تكف عن استخدام الحصار والقوة ضد مدينة دفعت من دم أبنائها ما يكفي.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند الحوثيين.
مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية أمام اختبار حقيقي.
تعز لا تحتاج بيانات تضامن جديدة، تحتاج طريقا مفتوحا، ومستشفيات قادرة على العمل، وإمدادات تصل إلى الناس، ودعما حقيقيا لقواتها، وسياسة واضحة تمنع سقوط المدنيين ضحية للفراغ والعجز.
كما أن السعودية والدول الداعمة للحكومة اليمنية، والمجتمع الدولي والأمم المتحدة، أمام مسؤولية لا يجوز الهروب منها.
لا يمكن أن يُطلب من تعز أن تصمد وحدها، ثم يُكتفى بمراقبة نزيفها من بعيد.
إذا كانت هناك إرادة لإنقاذ اليمن، فتعز يجب أن تكون في مقدمة الأولويات.
فتح الممرات والطرق الإنسانية يجب أن يكون عاجلا.
تأمين الغذاء والدواء والوقود يجب ألا يخضع للمساومات العسكرية.
حماية المدنيين والمستشفيات والمدارس يجب أن تكون خطًا أحمر.
دعم النازحين يجب أن يتحول من استجابة مؤقتة إلى خطة إنسانية حقيقية.
والأهم: يجب أن تكون هناك مساءلة واضحة لكل طرف يستهدف المدنيين أو يحاصر المدن أو يمنع وصول المساعدات.
فاليمنيون لم يعودوا يحتملون أن تتحول حياتهم إلى جدول في تقارير المنظمات الدولية.
اليمن ليس جبهة.
اليمن إنسان.
والطفل الذي ينام على أرض النزوح لا يعرف شيئا عن الحسابات السياسية، والمريض الذي ينتظر الدواء لا تعنيه خرائط النفوذ، والأم التي تهرب بأطفالها من القصف لا تسأل من ربح المعركة؛ إنها تسأل فقط: أين المكان الآمن؟
هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج البيانات والانتصارات المعلنة.
لقد أنهكت الحرب اليمنيين حتى صار النزوح حياة، والخوف عادة، والفقر ميراثا، والموت خبرا يوميا.
تعز لا تطلب معجزة.
تطلب أن تتوقف القذائف عن ملاحقة المدنيين، وأن تُفتح الطرق، وأن يصل الغذاء والدواء، وأن يعود النازحون إلى بيوتهم، وأن يجد أطفالها حقهم الطبيعي في الحياة.
ومن هنا، فإن النداء اليوم ليس إلى طرف واحد، بل إلى الجميع:
أوقفوا الحرب على الإنسان قبل أن تضيع اليمن نفسها.
فإن سقطت تعز في دوامة حصار جديدة، فلن تكون المأساة تعزية وحدها؛ سيكون ذلك إنذارا بأن اليمن كله يتجه نحو هاوية جديدة.
تعز تنزف، والنازحون يتكاثرون، والمستشفيات تختنق، والناس ينتظرون من ينقذهم.
فهل يتحرك أصحاب القرار قبل أن يصبح الصمت جريمة، ويصبح ما تبقى من اليمن مجرد وطن في الذاكرة؟
رئيس شبكة محامون ضد الفساد