في الذاكرة العربية لم يكن عنترة بن شداد مجرد فارس يضرب به المثل في الشجاعة، بل كان رجلا أدرك في لحظة قاسية أن السيف الذي يطلب عند الحرب لا ينبغي أن يعود صاحبه بعد الحرب إلى الهامش.
وقد اختصر هذه المفارقة في بيته الشهير:
ينادونني في السلم يا ابن زبيبة
وعند صدام الخيل يا ابن الأطايب.
فعنترة لم تكن مشكلته مع القتال، ولم يكن محتاجا إلى إثبات شجاعته لأحد، لكنه فهم أن الإنسان لا ينبغي أن يقدم دمه كاملا لمن يمنحه نصف الاعتراف، وأن الانتماء لا يمكن أن يكون واجبات عند الحرب وحقوقا مؤجلة عند السلام.
وبعد قرون طويلة، تبدو هذه المفارقة مألوفة على نحو مؤلم في جنوب اليمن، فمنذ عام 2015، قاتلت القوات الجنوبية في أكثر من جبهة، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى، وخاضت معارك لم تكن كلها داخل حدود الجنوب. قاتلت الحوثيين، وأسهمت في تأمين مدن وموانئ وممرات بحرية استراتيجية، ودفعت ثمنا ثقيلا ضمن حرب تشابكت فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
واليوم، مع تصاعد الخطر الحوثي واتساع ارتباطه بأمن باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر، يعود الحديث مرة أخرى عن الدور الذي يمكن أن تؤديه القوات الجنوبية في أي مواجهة قادمة، لكن ما كان يمكن قبوله قبل عشر سنوات لا ينبغي أن يقبل اليوم بالشروط نفسها.
فابناء الجنوب سيدافعون عن أرضهم دون أن ينتظروا من أحد مكافأة أو ضمانة. فالدفاع عن عدن أو حضرموت أو شبوة أو الضالع أو أي أرض جنوبية ليس صفقة سياسية. فهذه أرضهم، وهم أهلها، وحمايتها واجب عليهم لا يخضع للمساومة.
لكن عندما تتجاوز المعركة حدود الجنوب، تتغير طبيعة القرار. هنا يصبح إرسال المقاتلين إلى جبهات أخرى قرارا سياسيا قبل أن يكون قرارا عسكريا. والقرار السياسي لا يبنى على الحماسة ولا على الوعود الشفهية، بل على معرفة واضحة بما سيعود على الجنوب من مشاركته في حرب تتجاوز أرضه وتخدم، في جانب منها، مصالح إقليمية ودولية واسعة.
لقد جرب الجنوبيون من قبل أن يقاتلوا أولا ويؤجلوا السياسة إلى ما بعد الحرب. وبعد سنوات من التضحيات، ظلت قضيتهم السياسية في المكان نفسه تقريبا. لم يحسم حقهم في تقرير المصير، ولم يحصلوا على ضمانة سياسية نهائية لمستقبلهم، وظلت القضية الجنوبية ملفا قابلا للتأجيل كلما تعارضت مع حسابات القوى الأكبر.
وهذا ما لا ينبغي أن يتكرر، لأن المشكلة ليست في مواجهة الحوثي. فالجنوب يعرف الحوثيين أكثر ممن يحدثونه عن خطرهم، وقد قاتلهم على الأرض وخسر في تلك المواجهة رجالا ودمرت مدنا. المشكلة في أن يطلب منه أن يوسع دائرة حربه بينما تظل دائرة حقوقه ضيقة.
أن تكون القوات الجنوبية مطلوبة عندما تكون هناك جبهة بحاجة إلى مقاتلين، ثم تصبح قضية الجنوب معقدة عندما تبدأ المفاوضات، هو تحديدا ما يجعل بيت عنترة حاضرا في المشهد: «وعند صدام الخيل يا ابن الأطايب».
لا يريد الجنوب أن يسمع هذه العبارة مرة أخرى بصيغة سياسية جديدة؛ أن توصف قواته بأنها شريك مهم، وأن يثنى على تضحيات أبنائه، وأن يطلب منه حماية أمن المنطقة والممرات البحرية، ثم عندما يسكت السلاح ويبدأ رسم المستقبل يقال له إن الوقت غير مناسب لبحث قضيته.
المديح لا يصنع دولة، والشكر لا يعيد شهيدا، والوعود المفتوحة لا تحمي مستقبل شعب. إذا كان الجنوب شريكا في الحرب، فيجب أن يكون شريكا في نتائجها. وإذا كانت قوته العسكرية ضرورة لأمن الإقليم، فإن قضيته السياسية يجب ألا تبقى أمرا ثانويا بالنسبة إلى الإقليم نفسه.
هذه ليست دعوة إلى الانعزال ولا إلى تجاهل الخطر الحوثي. فالواقع يقول إن الحوثيين لا يشكلون تهديدا لمنطقة واحدة، وإن تمددهم وسيطرتهم على مساحات أكبر يمكن أن ينعكسا على أمن الجنوب مباشرة. لكن الاعتراف بهذا الخطر لا يعني منح أي طرف تفويضا مفتوحا باستخدام دم الجنوبيين دون التزام سياسي واضح تجاههم.
الشراكة لا تكون في اتجاه واحد. من يريد الجنوب شريكا في المعركة يجب أن يقبله شريكا على طاولة السلام. ومن يريد قواته أن تحمي باب المندب وخليج عدن عليه أن يعترف بأن لهذه القوات شعبا وقضية ومستقبلا لا يمكن إبقاؤه رهينة إلى أجل غير معلوم.
القوة العسكرية وحدها لا تكفي، لأننا تعلمنا أحد أقسى دروس السنوات الماضية، وهو أن الانتصار في الميدان لا يعني بالضرورة الانتصار في السياسة. قد تكسب الأرض وتخسر الطاولة، وقد تقدم آلاف الضحايا ثم يأتي آخرون عند لحظة التسوية ليحددوا لك ما تستحقه وما لا تستحقه.
ولهذا يحتاج الجنوب اليوم إلى أن يعرف غايته قبل أن يطلق الرصاصة، لا بعدها. ليس المطلوب تعهدات فضفاضة، ولا بيانات تشيد بتضحياته، بل موقف سياسي يمكن البناء عليه، والاعتراف بالقضية الجنوبية بوصفها قضية شعب، وضمان حق شعب الجنوب في تقرير مصيره في أي تسوية قادمة، وفتح طريق حقيقي أمام الجنوبيين ليقرروا مستقبلهم السياسي بإرادتهم.
أما العودة إلى المعادلة القديمة، التي تقول: قاتلوا أولا وسنتحدث عن مستقبلكم لاحقا، فهي مخاطرة لا تليق بحجم ما دفعه الجنوب.
لقد دفع الجنوبيون ما يكفي ليتعلموا أن الحقوق التي لا تثبت في لحظة الحاجة قد تختفي عندما تنتهي الحاجة. وأن القوة التي لا تحمل مشروعا سياسيا واضحا يمكن أن تتحول بسهولة إلى قوة تعمل لتحقيق مشاريع الآخرين.
وهذا بالضبط ما فهمه عنترة منذ زمن بعيد عندما تمسك بحقه. ليس تراجعا عن واجب القتال، بل كان يعرف ببساطة أن الفارس الذي يطلب سيفه ولا يعترف بكرامته يعيش نصف شراكة، وأن من يدفع ثمن الجماعة من دمه يجب أن يكون له مكان كامل فيها.
والجنوب اليوم لا يحتاج إلى أن يكون ابن الأطايب ساعة الحرب فقط، وأن يمدح شجاعة أبنائه حين تحتاجهم الجبهات، ثم يطلب منهم الصبر حين يأتي دور السياسة.
ببساطة، ما نحتاجه هو شراكة حقيقية لا تنتهي بانتهاء المعركة، وأن يراه الحلفاء قضية لا مجرد قوة، وشعبا لا مجرد جغرافيا، وصاحب حق لا مجرد مقاتل.
من المسلمات أننا سوف ندافع عن الجنوب بلا شروط، لأن الجنوب وطننا. أما حين تتجاوز الحرب حدوده، فلا ينبغي أن يتجاوزها دم أبنائه إلا وهو يعرف إلى أين يذهب، ولماذا يذهب، وما الذي سيعود به إلى وطنه.
وإذا كان أمن الإقليم يحتاج إلى دم الجنوب، فإن أقل ما يستحقه الجنوب أن يكون له مكان معترف به في مستقبل ذلك الإقليم.