السبت, 24 أكتوبر 2026
147
يقف الجنوب اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الأهمية، يسترعي انتباه كافة قواه الحية. فهو حاضر في جبهات حرب كبيرة، دفاعًا عن أرضه وقضيته، ويحتل موقعًا جغرافيًا شديد الحساسية في معادلات الصراع المحلي والإقليمي. وهي الخصوصية التي تجعل تطلعات أبنائه إلى تقرير مستقبلهم واستعادة دولتهم محكومة بحسابات تتجاوز حدود الإرادة المحلية وحدها.
وهذا أمر مفهوم في منطق الوضع الجيوسياسي، فالدول المحيطة لا تصوغ سياساتها انطلاقًا من تطلعات الشعوب بوصفها أولوية مطلقة، وإنما تنظر إليها من خلال منظومة مصالحها الأمنية والاقتصادية. فالسياسة الإقليمية والدولية لا تتحرك بالضرورة وفق قيم العدالة التاريخية.
ومن هنا تبرز المفارقة، إذ يُفترض بالنخب السياسية الجنوبية أن تكون اليوم أكثر تقاربًا وإدراكًا لحساسية موقع بلادها وأهمية قضيتها وتشابك علاقاتها بالخارج، وأن تمتلك القدرة على تجاوز الكثير من العوائق السيكولوجية، وعدم الخلط بين الخاص والعام، وبين استحقاقات المستقبل والنزعات الثأرية والتحزبية، وبين المواقف السياسية المحضة والتوظيفات المناطقية.
فالمستقبل لا يجب أن يخضع لإملاءات الذاكرة السياسية، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات، أيًّا كانت طبيعتها، إلى انتقاص من تضحيات شعب الجنوب ووضوح أهدافه، أو إلى إلباس أي اختلاف سياسي مسميات أخرى. ورغم وجود انحيازات مناطقية لا يمكن إنكارها أو حصرها في طرف بعينه، فإن محاولة تعميمها سوف تختزل تباين المشروعات في خطاب الانتماءات. فقضية الجنوب قضية وطنية جامعة لأبنائه، لا يجوز تصويرها وكأنها امتياز جغرافي أو انتماء مناطقي.
والواقع أن الخلافات في التاريخ الحديث لدولة الجنوب كانت، في جوهرها، خلافات سياسية وصراعات على السلطة، وليست امتدادًا لخصومات متأصلة بين مناطقه، التي عاشت عبر تاريخها الاجتماعي الطويل، ولا تزال، بعيدة عن أي صراعات عقدية أو طائفية أو نزاعات حقوقية وثأرية ذات طابع اجتماعي شامل. ومن ثم، فإن إسقاط الخلافات السياسية على الهوية المناطقية يمثل خلطًا بين طبيعتها وأدوات توظيفها.
والمشهد الجنوبي الراهن ينطوي على تباينات أفرزتها عوامل سياسية متراكمة. فهناك من يتبنى مشروع استعادة دولة الجنوب باعتباره حلًّا للقضية الجنوبية، وهو صوت غالبية المجتمع، وهناك من يرى معالجتها تحت سقف الوحدة أو مشروع الأقاليم، رغم أن طبيعة الوحدة وتجربتها تمثلان جوهر الإشكالية السياسية نفسها.
وهذا اختلاف في الرؤية السياسية، وفي تعريف القضية وتحديد مآلاتها، ومن ثم، فإن التعامل معه يقتضي نقاشًا سياسيًا واضحًا حول الأهداف والوسائل، في سياق حوار عقلاني، دون إقحام الذاكرة القديمة في تفسير كل موقف مخالف. فما وجه الاعتراض على أن يمارس الشعب حقه في تقرير مصيره من خلال آليات معروفة لدى الأمم في التاريخ الحديث؟
إن النضج السياسي يبدأ حين تتحرر المواقف من أسر الانتماءات الضيقة، وحين يصبح معيار الحكم على السياسيين هو ما يحملونه من مشروعات وما يقدمونه من أداء، لا المناطق ولا الإعلام المتحكم.
فالجنوب، أيًّا كان المستقبل السياسي الذي يختاره أبناؤه، لا يستطيع أن يبني مشروعًا وطنيًا متماسكًا أو أن يواجه تعقيدات الجغرافيا السياسية بمنطق الخصومات الموروثة.
وفي المحصلة، ورغم أن الجنوب تجاوز مراحل بالغة الخطورة، وقدم أبناؤه تضحيات جسيمة من أجل مستقبلهم، فإن أخطر ما يهدد قضيته ليس الحرب عليه وحسب، وإنما اختلاط ذاكرة الماضي بحسابات المستقبل، وإلباس الخلافات السياسية ثوبًا جغرافيًا يحول التباينات إلى انقسامات تتجاوز أسبابها الحقيقية. فمصلحة الجنوب تقتضي إبقاء الخلافات في إطارها السياسي، بعيدًا عن الهويات والانتماءات المناطقية. فالسياسة التي تعجز عن تجاوز رواسب الماضي تعجز عن صناعة أفق جديد، وتترك الجميع فريسة سهلة لصراعات الداخل وحسابات الخارج.