السبت, 24 أكتوبر 2026
194
ما جاء في مقابلة م. أحمد الميسري على قناة الجنوب اليوم يستحق النقاش السياسي الجاد، لا من باب الخصومة الشخصية، وإنما من زاوية ما تحمله بعض الطروحات من مخاطر على مستقبل القضية الجنوبية، وإمكانية تحويلها إلى ملف مؤجل تحت عناوين استعادة الدولة ومواجهة الحوثيين.
لا خلاف على ضرورة مواجهة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، لكن الخلاف يبدأ حين تتحول هذه الأولوية إلى شرط مسبق لمعالجة القضية الجنوبية، وكأن على الجنوبيين تعليق مطالبهم السياسية حتى إشعار آخر، دون ضمانات واضحة أو سقف زمني محدد.
إن استعادة صنعاء ليست حلًّا تلقائيًا للقضية الجنوبية، ولا تمثل بذاتها ضمانة لتسوية عادلة. ومن يربط مصير القضية بنتائج معركة عسكرية، مطالب بأن يوضح ما الذي يضمن عدم إعادة تأجيلها بعد انتهاء المعركة، ومن يملك حق تحديد مستقبلها، وما المرجعيات التي ستضمن حقوق الجنوبيين.
أما القول إن الدولة وحدها تمثل الجنوبيين في هذه المرحلة، فيخلط بين التمثيل القانوني للدولة والتمثيل السياسي للمجتمع. فالدولة إطار مؤسسي جامع، وليست بديلًا عن التعددية السياسية، ولا مبررًا لإلغاء المكونات أو مصادرة حقها في التعبير عن رؤاها ومطالبها. والاعتراف الدولي بالسلطة القائمة لا يعني أن جميع القضايا الوطنية قد حُسمت، أو أن الجدل بشأن مستقبل الجنوب أصبح خارج نطاق السياسة.
كذلك، فإن محاربة المناطقية لا تتحقق بتصنيف المكونات أو التشكيك في حقها في المشاركة، وإنما بضمان تمثيل عادل للجميع. فلا يجوز رفض الإقصاء عندما يصدر عن طرف، ثم قبوله عندما يخدم طرفًا آخر.
إن مواجهة الحوثيين لا تتعارض مع استمرار الحوار الجنوبي، كما أن توحيد الجهد العسكري لا يفرض توحيد الرؤى السياسية. وإذا كان الحوار المرتقب في الرياض مدخلًا إلى حل عادل، فإن قيمته تتوقف على شمول التمثيل، وحرية طرح الخيارات، وعدم فرض النتائج مسبقًا.
وهنا تكمن خطورة التعويل على مبررات عامة لا تقدم إجابات عن الضمانات والمرجعيات وآليات التنفيذ. فهذه المبررات ليست حجة قانونية تُسقط حق الجنوبيين في مناقشة قضيتهم، وليست تسوية سياسية تسمح بتأجيلها إلى أجل غير معلوم.
إذا كان هناك من يؤمن حقًا بالقضية الجنوبية، فإن الاختبار ليس في إعلان التعاطف معها ثم ربطها بشروط مفتوحة، بل في الاعتراف بحقها في الحضور السياسي، وضمان ألا تتحول الأولويات العسكرية إلى وسيلة لتهميشها أو تمييع مطالبها.
القضية الجنوبية لا تحتاج إلى مزيد من التهويل، بل إلى وضوح سياسي، وضمانات حقيقية، وحوار لا تُصادر نتائجه قبل أن يبدأ.