السبت, 24 أكتوبر 2026
169
من أخطر ما أصاب وعينا السياسي أن تحولت الأسماء إلى قضايا، والولاءات إلى مبادئ، والخصومات إلى مواقف موروثة، حتى أصبحنا نختلف حول الرجال أكثر مما ننشغل بحقوق الناس ومستقبل الوطن.
الأنبياء والرسل اصطفاهم الله، أما سائر البشر فهم أبناء زمانهم وظروفهم ومصالحهم، يصيبون ويخطئون. وما ورد في القرآن الكريم حق ثابت، أما روايات التاريخ عن عظمة الرجال ومساوئهم فتظل عرضة للأهواء والتحريف، وتستوجب التمحيص لا التقديس.
وفي اليمن، يكفي أن نتأمل مصائر كثير ممن تعاقبوا على السلطة؛ بين قتيل وسجين ومنفي، ومن نجا منهم شهد مصائر سابقيه ولم يعتبر. ومع ذلك، ما زلنا نعيد إنتاج الولاءات ذاتها، وكأن تاريخنا صراع على الأشخاص لا درس في عواقب الاستئثار بالسلطة.
فالسؤال ليس: من كان بطلًا ومن كان خائنًا، بل: من أقام العدل، وصان الحقوق، وأخضع نفسه وأسرته وأنصاره للقانون، وأنصف خصومه كما أنصف مؤيديه؟ ومن بنى دولة تبقى بعده، لا سلطة تنهار برحيله؟
هذه هي معايير الحكم على الرجال، لا خطبهم ولا روايات أنصارهم وخصومهم.
إن مسؤولية النخب ليست إحياء معارك الماضي وتوريثها للأجيال، بل تحرير الوعي من أسرها، وإعادة الاعتبار لقضايا الشعب: الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية والأمن والعيش الكريم.
لقد آن لنا أن ندرك أن مشكلة اليمن ليست في غياب الزعيم المنقذ، بل في غياب الدولة التي لا تحتاج إلى منقذ؛ دولة يكون فيها القانون فوق الحاكم، والحقوق فوق الولاءات، والوطن فوق الجميع.
فمن لم يتعلم من مصائر من سبقوه، لن يصنع مستقبلًا مختلفًا، ومن جعل الأشخاص قضيته أضاع القضية التي تستحق أن يناضل من أجلها: الإنسان والوطن.
*نائب وزير الخارجية الأسبق