تم اعتناق عقيدة عصبويّة لدى حكام صنعاء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحاكم جمهوريًّا أو إماميًّا زيديًّا أو اثني عشريًّا، تجاه الجنوب باعتباره فرعًا من أصل، بغض النظر عن أن الفرع أكبر مساحةً، وأكثر تنوعًا قبليًّا، ومختلفٌ، ولا رابط ثقافي أو اجتماعي بينه وبين الشمال، بل إنه مختلف مذهبيًّا أيضًا.
تشكّلت هذه العقيدة عندما استولت طائفة زيدية على الحكم، حتى زُوِّر التاريخ، وتحدثت هذه الطائفة عن دول تحت مسمى اليمن تشكّلت منذ ما قبل الإسلام، واعتبرت أن مملكة سبأ حكمت تحت لواء الصفة اليمنية، وكذا ما تلاها من ممالك متعددة. وحتى أتى الإسلام، لم تكن هناك دولة موحدة، ولا حتى دولة أحادية تحمل اسم اليمن. وحينها أرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثلاثة ولاة، أحدهم إلى صنعاء، والثاني إلى الجند، والثالث إلى حضرموت.
ولم تظهر دولة يمنية إلا في نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث سلّم الأتراك مناطق سيطرتهم إلى الإمام الزيدي يحيى حميد الدين. وحتى في سنواتها الأولى، كان اسم مملكته المملكة المتوكلية الهاشمية، حتى جاء العلم من أحد السياسيين المتجولين، ويدعى الفضيل الورتلاني، جزائري الجنسية، واقترح عليه شطب صفة الهاشمية وإبدالها باليمنية.
العالم يعرف أن صفة اليمن في اللغة العربية تعبّر عن اتجاه الجنوب، وأن صفة الشام تعبّر عن اتجاه الشمال، وكلاهما يصف الاتجاهات بالنسبة إلى الكعبة المشرفة؛ فكل ما هو جنوب الكعبة فهو يمن، وكل ما هو شمال الكعبة فهو شام.
ومن يريد أن يتأكد، فليعد إلى معاجم اللغة العربية، ومن يريد أن يُصرّ على ذلك، فعليه أن يقبل بأن كل ما هو جنوب الكعبة يُعتبر يمنيًّا، من البحر الأحمر حتى الخليج العربي، وبالتالي يُلحَق بالدولة اليمنية، وكل ما هو شمال الكعبة يُعتبر شاميًّا، وتُلغى كل الصفات والانتماءات الجديدة، بما فيها الدول والكيانات القائمة.
التاريخ القريب للمنطقة الواقعة في جنوب الجزيرة العربية كان محل صراعات وإشكاليات وتداخل بين القبائل والأعراق، وكانت الحروب هي القاسم المشترك فيها، حتى استوت دول وكيانات سياسية أصبحت معترفًا بها في النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الأولى.
صحيح أن قوى عصبويّة وعرقية ودينية وتكتلات سياسية هيمنت، كما تشكّلت قوى في عصر التنوير، ودخلت في معتركات وصراعات وحروب فيما بينها، وبين العنصر الدخيل المسمّى استعمارًا أجنبيًّا. وكانت كل جهة تضع ما تراه في مخيلتها لتحقيقه، فالبعض تحقق، والبعض الآخر لم يتحقق. ولكن الأمر استقر على الاعتراف بالدول القائمة، والبركة في الاستعمار الأجنبي الذي كان له دور في تشكيلها، وأصبح بعد الحرب العالمية الثانية نظامًا عالميًّا جديدًا يلتزم به الجميع، وخاصة بعد تصفية آخر بؤر الاستعمار.
بالنسبة إلى الجنوب، لم يأتِ من الفضاء، ولم يكن للاستعمار أي دور في صنعه، وإنما تشكّل عبر تحالفات قبلية لمجتمعات متجانسة حافظت على استقلاليتها وحماية أصولها وممتلكاتها، وتمتعت بالاستقلالية في إدارة شؤونها عبر الأعراف التي تشكّلت على مر التاريخ. وكانت هناك حروب وغزوات مسلحة من هنا وهناك، ولم يستقر الوضع إلا بعد صراع عنيف عبر القرون، ومنها صراعات ضد الهيمنة الدينية والطائفية الأحادية. واستقر المذهب الشافعي على أرض الجنوب وفي مجتمعاته، ولم يطمح أهله إلى دخول مذاهب أخرى، وكان ذلك أحد مظاهر الصراع الذي يتخفى وراء الدين، إذ إن العصبية الزيدية كانت تسعى إلى التوسع في الأرض لزيادة كمية الخراج المستخلص من الرعايا.
ومن أراد أن يتأكد، فعليه العودة إلى قراءة التاريخ الوسيط وصراعات الكتل الاجتماعية والقبلية، وكيف تواجهت في الميادين، وكذا دراسة الدول التي تشكّلت، مثل دولة علي بن الفضل الخنفري، ودولة الصليحيين والرسوليين والطاهريين، وكذا الأئمة الذين كان مركزهم مناطق شمال الشمال، حتى تتبين له الرؤية واضحة وكاملة.
لكن الطغمة الحاكمة في صنعاء، على اختلاف منابعها، ضخّت لعامة الشعب كمًّا من المعلومات الخاطئة حول التاريخ الذي بنته على رؤيتها المزورة، التي تضع الجهوية اليمنية أساسًا وعذرًا لامتلاك الرقعة الجغرافية للمجتمعات التي تشكّلت على مر التاريخ، حتى تستملك هذه الرقعة وتديرها وفق رؤيتها المنافية لأصول الدين والعرف والنظام والقانون.
هناك من يُصرّ على أن الاستعمار البريطاني هو الذي عمل على تجزئة الجنوب وصنع سلطنات ومشيخات، وهذه من الأكاذيب التي لا تصمد أمام الحقائق. فالسؤال: متى كانت هناك دولة تسمى اليمن حتى أتى الاستعمار البريطاني ليقطع الجنوب منها؟ كان الشمال برزخًا تحت الاستعمار التركي آنذاك، أما قبائل الجنوب فقد قاومت الاستعمار التركي وطُرد من أراضي الجنوب، وتشكّلت لإدارة الجنوب سلطنات ومشيخات. كما أن عمر تلك السلطنات والمشيخات يزيد على عمر دولة اسمها المملكة المتوكلية اليمنية بمئات السنين. وللعلم، تم ترسيم الحدود بين الجنوب والشمال عام 1914م.
تمت الوحدة بين دولتين تمتلكان اعترافًا دوليًّا وإقليميًّا وذاتَي سيادة، هما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، سلميًّا. وبدلًا من استكمال بناء الدولة الجديدة على أسس مدنية وعلى أساس حقوق مواطنين متساوية، تم تسويق الخرافة القائلة إن الفرع عاد إلى الأصل، وكان الهدف بسط نفوذ الطغمة الحاكمة في صنعاء على أراضي دولة الجنوب وتسخير كل ممتلكات الدولة الجنوبية لصالحها.
وحتى قامت بتهيئة الظروف لحرب شمالية ضد الجنوب تحت فتاوى دينية، وكان الهدف قتل كل الجنوبيين للسيطرة الكاملة على أرضهم، وكان لهم ما خططوا له، حتى تمت السيطرة الكاملة على الجنوب، واعتُبر كل ما عليه غنيمة توزعت على كل المتنفذين من الطغمة الحاكمة. وتحولت قطاعات النفط من ممتلكات للدولة إلى ممتلكات شخصية لهم، وأصبح كل ما يتعلق باستثمار النفط وخدماته وصناعة النفط تحت تصرفهم الشخصي، وقِسْ على ذلك المصانع والمزارع والبحر وغير ذلك.
وهذا هو هدفهم الرئيسي، وهنا لا يزالون يضللون عامة الشعب بدعاوى أن الجنوب فرع عاد إلى الأصل، وكانت النتيجة المزيد من الحروب والأزمات والفقر والتشرد، الذي يعاني منه أبناء الجنوب والشمال معًا.
حتى إنهم، في نهاية المطاف، سلّموا الجمهورية إلى طائفة زيدية تؤمن بالاثني عشرية وتدين بالولاء لولاية الفقيه في إيران، وقامت حرب دامت حتى اليوم أحد عشر عامًا، دون أن نجد لها أفقًا لحلول مقنعة. بل تسببت في تحويل الصراع اليمني الداخلي إلى صراع إقليمي، ورهنت مصير البلاد والعباد بمشكلات بلدان أخرى لا علاقة للشعب اليمني بها.
هنا، على الشعب في الشمال والجنوب أن يستوعب أن تلك الطغمة الحاكمة لا تزال تدير المشهد عبر أشكال مختلفة، لكن الهدف هو إطالة الحرب والمزيد من الانقسامات في المجتمعات المحلية، حتى يسهل للأعداء النفاذ منها، وإبقاء الشعب في الشمال والجنوب في حالة فقر مدقع وأزمات كبيرة، يعيش في حالة تشرد وتفكك، لا يدري ماذا تخبئ الأقدار له في الأيام القادمة.
مع الأسف، سقطت كل النخب السياسية والقبلية والأحزاب في مستنقع الفساد، ولن تستطيع إنقاذ الشعب أو إخراجه من وضعه البائس. وعليه، يتطلب الأمر البحث عن وسائل أخرى لإنقاذ الموقف، والعودة إلى جادة الصواب بخدمة مصالح المجتمعات المحلية، وإعادة هياكل الدولتين كأولوية للحفاظ على السيادة، والعودة إلى الحوار البنّاء بينهما لتحقيق الإنصاف والعدالة، للعيش بأمان واستقرار وتعاون مشترك في كل مناحي الحياة.