خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، ثم الحصار القاتل الذي أطبقت فيه على كل منافذ القطاع، وقتلت خلاله عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والعجزة، ودمّرت كل ما يسمح لسكانه بالحياة، تقدّم الحوثيون بشعار جذاب أطلقوا عليه «نصرة غزة»، وتمكنوا خلال تلك الفترة من إرسال صواريخهم ومسيّراتهم التي أحدثت فرقعة إعلامية، لكنها لم تخلّف سوى الدمار الذي أحدثه الرد الإسرائيلي على اليمن، واستهدف منشآت مدنية استنزف اليمنيون عقودًا من الزمن لبنائها. ثم مارس الحوثيون عمليات قرصنة على السفن العابرة في البحر الأحمر، واحتجزوا عددًا من البحارة لأشهر طويلة، ولم يطلقوهم إلا مقابل عائد نقدي لا أحد يعرف تفاصيله، ولكن تلك العمليات أزعجت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يتوانَ عن إصدار أوامره لقاذفاته بتدمير ما تمكنوا منه داخل اليمن.
في كل الأحوال، طفا الحوثيون على سطح الأحداث، ليس كفصيل مناصر لقضية عادلة، ولكن كفئة مارقة تمارس أعمال القرصنة على السفن التجارية العابرة، لكنها لم تجرؤ على الاقتراب من سفينة حربية واحدة. وأصبح تعريفهم الحقيقي أنهم من كيانات ما دون الدولة.
في اللحظة نفسها التي كان الحوثيون يرفعون فيها شعارات زائفة للتعبير عن تعاطفهم مع إخواننا الفلسطينيين، وينادون برفع الحصار عنهم وإغاثة أطفالهم ونسائهم، كانوا يمارسون أقبح صنوف القهر والإذلال والترهيب والتجويع ضد كل من يناهض مشروعهم العبثي المتخلف. جاهروا بأنهم فئة حاكمة رغمًا عن إرادة الناس، ونهبوا كل الموارد التي وقعت تحت أيديهم، لكنهم، في المقابل، لم يقدموا شيئًا من الخدمات أو المستحقات لمن لم تُتح له الفرصة للهروب من تحت نير حكمهم البليد.
لقد استنزفوا كل موارد البلاد التي سلبوها، وأعانتهم حكومة طهران بأن أمدّتهم بالسلاح والنفط والمال، واستخدموا كل ما كنزوه من أموال الناس في سبيل مشروعهم المتخلف، المغلّف بالشعارات التي تمكنوا من غرسها في عقول الفتيان الذين اغتصبوا سنوات طفولتهم في معسكراتهم الصيفية ومدارسهم الموجّهة عقديًّا ومذهبيًّا، وأجبروهم على الالتحاق بها لتلقي الدروس العقيمة التي لا منفعة منها إلا حمل فكر ينشر الكراهية والحقد والبغضاء ضد كل معارضيهم وخصومهم من أبناء الأرض الواحدة.
لقد أرهق الحوثيون اليمنيين والجوار والإقليم، وحشروا المنطقة في حروب لا طائل من ورائها سوى الدمار والدماء، وأقحموها في معارك مدمرة ستترك آثارًا سلبية عميقة على العلاقات الإنسانية والسياسية لعقود قادمة.
لم تتوقف المليشيات الحوثية عن بذل الجهد لتغيير البنى الاجتماعية التي كان اليمنيون يسعون، منذ قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، إلى ردم الهوة التي كانت تفصل بين طبقاتها. وظلت النخب المدركة للمصلحة العامة والمنفعة الوطنية تضع كل ثقلها وتجاربها ونفوذها لتجذير الالتفاف حولها، ولكنها كانت تصطدم بفئات اجتماعية تقدم المصلحة الخاصة والمنفعة الذاتية على كل ما عداها.
لقد تجاوز الحوثيون في معاركهم الصراع مع اليمنيين، وامتدت معاركهم إلى الجوار والإقليم، ولكن ذلك لا يمكن أن يسمح لهم بأن يصبحوا لاعبًا إقليميًّا، وستبقى الصفة الملتصقة بكيانهم أنهم مجرد مليشيات مستهترة لا تعي نتائج التصرفات الطائشة التي تقوم بها وتخلّ بتوازنات الإقليم والمصالح المرتبطة به، ولن يسمح المجتمع الدولي بالاستمرار في النظر إليها دون ردع، حتى وإن انشغل عنها لفترات مضت.
بالأمس، أطلق بابا الفاتيكان نداءً يدل على المدى الذي وصل إليه اهتمام العالم بما يدور في اليمن عمومًا، وفي تعز خصوصًا، وهو فهم، وإن كان متأخرًا، للمأساة التي صنعها الحوثيون في الوطن الذي يزعمون أنهم يدافعون عن سيادته وكرامته، بينما الواقع الذي يراه الجميع بالعين المجردة هو أنهم يدوسون كرامة مواطنيه ولا يعبؤون بسيادته.
لم يتوقف الحوثيون في تمردهم عند حد الانقلاب على الدستور والخروج على الإجماع الوطني المناهض لهم، والكاره لسياساتهم، والرافض بوضوح لكل ما يؤمنون به ويريدون فرضه على كل اليمنيين. ولقد كررت كثيرًا أن خروجهم المدجج بالسلاح من مناطقهم نحو مدن يحمل ساكنوها ذاكرة تاريخية محمّلة بأثقال ماضٍ بائس مرير ودامٍ عاشه آباؤهم وأجدادهم تحت حكم الأئمة، ستكون عواقبه وخيمة، وها هم يعودون إلى تلك المناطق بصورة أكثر انفضاحًا ودموية وترهيبًا.
كيف لعاقل أن يفهم أو يبرر أو يفسر أو يعلل نزول تلك الجحافل إلى المنطقة التي كانت على خصومة تاريخية مع ما يطلق عليه اليمنيون «عكفة الإمام» (عسكر الإمام)، وعانت من عبثهم وانتهاكاتهم وأحقادهم وجهلهم لعقود طويلة، ثم جاءت ثورة سبتمبر لتحاول وضع حد لمآسيها، والانتقال إلى آفاق جديدة تحت ظل دستور يلتزم به الجميع ويتساوون تحت سقفه، ويتمسكون بالوحدة الوطنية دون تمييز بين أسرة أو سلالة أو انتماء لغير الدولة اليمنية.
من الصحيح أن تلك المحاولات واجهت مصاعب جمّة لتجاوزها، وتعطل المسار لفترات متقطعة، لكنه ظل هدفًا تعيه النخب المدركة لأهميته في تأسيس دولة واحدة يحتكم إليها الجميع، ويتداولون حكمها بطرق دستورية بعيدًا عن هيمنة السلاح أو المنطقة أو الأسرة أو السلالة. ولكن الصحيح أيضًا هو أن الحوثيين نسفوا كل الجسور التي بنتها النخب، وعطّلوا كل المسارات، وتصوروا أنهم سيتمكنون، بالقوة المفرطة، من التحكم في مصائر الناس ورغباتهم وطموحاتهم وأمانيهم.
إن الفعل الأبشع الذي يفعله الحوثيون اليوم، في حصار مدينة مسالمة لا يطلب أهلها إلا العيش مع كل إخوانهم في الوطن بهدوء وسلام وأمان، لهو دلالة فاضحة على النفسية المريضة التي يختزنونها ضد كل مختلف عنهم ومناهض لمشروعهم الذي يحمل كل بذور الشر والكراهية والحقد على سواها، ولكنه سينكسر مهما طال زمانه، بعد أن أيقظ ضمير اليمنيين جميعًا، ونبّه العالم إلى حجم الخطر والشر الذي تمثله هذه الجماعة الشقية.
سينكسر الحصار، ولن تهنأ المليشيات بيوم واحد من الراحة أو نشوة الانتصار.
وليعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.