أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:12 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين يقتل الحوثي اليمني باسم اليمن..تعز تنزف والجمهورية تقاوم

    د. أسامة عبدالإله الأصبحي




     ليست المأساة أن يسقط اليمني برصاصة، بل أن يسقط برصاصة أطلقها من يزعم أنه يحمي اليمن.

    هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في المشهد اليمني: مليشيا ترفع شعارات الدين والوطن، بينما تجعل من اليمنيين وقودًا لحربها، ومن المدن ساحات للقصف، ومن الحصار وسيلةً لإخضاع الناس وكسر إرادتهم.

    تعز ليست مجرد مدينة محاصرة؛ إنها جرح اليمن المفتوح.

    هناك لا يعيش المدنيون الحرب في نشرات الأخبار، بل داخل بيوتهم. هناك أطفال يعرفون صوت القذيفة قبل أن يعرفوا معنى الأمان، ومرضى قد يصبح الطريق إلى المستشفى بالنسبة إليهم رحلة محفوفة بالموت، وأسر تدفع كل يوم ثمن حصار لا ذنب لها فيه.

    وعندما تطال القذائف الأحياء السكنية، ويُحرم المدنيون من الماء والغذاء والدواء، وتتعرض طرق الإغاثة للخطر، فإننا لا نتحدث عن خلاف سياسي، بل عن مأساة إنسانية تستوجب التحقيق والمساءلة.

    لقد حاولت مليشيا الحوثي أن تجعل من الحرب قدرًا دائمًا لليمنيين، وأن تحوّل الانقسام إلى هوية، والسلاح إلى سلطة، والخوف إلى وسيلة حكم.

    لكن اليمن أكبر من المليشيا، والجمهورية أكبر من البندقية.

    وما يحدث في تعز وشبوة ومأرب وغيرها ليس مجرد صفحات متفرقة في حرب طويلة؛ إنه جزء من مأساة وطنية يجب أن تُقرأ باعتبارها اعتداءً على الإنسان اليمني وحقه في الحياة والأمن والكرامة.

    والخطر لا يتوقف عند حدود اليمن؛ فقد امتدت الهجمات الحوثية إلى تهديد أمن المملكة العربية السعودية واستهداف منشآت وأهداف مدنية، بما يؤكد أن المنطقة كلها تدفع ثمن مشروع مسلح يتجاوز الحدود، وأن أمن اليمن لا يمكن فصله عن أمن محيطه العربي.

    لكن أكثر ما يؤلم في هذه المأساة أن اليمني أصبح يُطالب بالدفاع عن نفسه من جماعة تقول إنها جاءت للدفاع عنه.

    أي مفارقة أكثر وجعًا من هذه؟
    أن يتحول المواطن إلى متهم لأنه لا يبايع المليشيا، وأن يصبح الاختلاف جريمة، وأن يكون الولاء للسلاح أقوى من الولاء للوطن.

    ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة شمال ضد جنوب، ولا منطقة ضد أخرى، ولا قبيلة ضد قبيلة؛ إنها معركة بين مشروع الدولة ومشروع المليشيا، بين الجمهورية والوصاية، وبين القانون والسلاح.

    ولهذا، فإن الصمت لم يعد موقفًا محايدًا أمام معاناة المدنيين.

    على المجتمع الدولي والمبعوث الأممي أن يتعاملا مع حصار تعز باعتباره قضية إنسانية عاجلة، وأن يعملا على ضمان وصول المساعدات ورفع القيود عن المدنيين.

    وعلى السلطات اليمنية أن تجعل توثيق الانتهاكات والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها جزءًا من مشروع استعادة الدولة؛ لأن السلام الحقيقي لا يعني دفن ملفات الضحايا، والعدالة لا يمكن أن تكون أول ضحية لأي تسوية سياسية.

    يا أهل تعز، قد يطول الحصار، لكن لا مدينة تبقى أسيرة إلى الأبد.

    قد تهدم المليشيا بيتًا، لكنها لا تستطيع هدم فكرة وطن. وقد تقتل إنسانًا، لكنها لا تستطيع قتل حلم شعب يريد دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

    تعز لم تكن يومًا مدينة أو محافظة عادية في تاريخ اليمن؛ كانت وستظل إحدى بوصلات الجمهورية، ومنارة للوعي الوطني، وصوتًا مدنيًا يرفض أن تتحول اليمن إلى ساحة للوصاية والسلاح.
    وسيأتي اليوم الذي ينتهي فيه هذا الليل.
    ليس لأن الحرب تحسمها الأمنيات، بل لأن الشعوب التي تُصرّ على الحياة أقوى من المشاريع التي تقوم على الخوف.

    اليمن لا يحتاج إلى مليشيا تتحدث باسمه، بل إلى دولة تحمي أبناءه. لا يحتاج إلى شعارات عن الكرامة، بل إلى كرامة يصونها القانون. ولا يحتاج إلى تسويات تطوي ملفات الضحايا، بل إلى عدالة تنصفهم وتحاسب المسؤولين عن معاناتهم.

    فاليمن وطن لليمنيين، لا غنيمة لمليشيا، ولا رهينة لمشروع عابر للحدود. وستظل تعز، مهما طال حصارها، شاهدًا على أن إرادة الشعوب لا تُدفن تحت الركام، وأن الجمهورية قد تتألم، لكنها لا تموت ما دام هناك من يؤمن بها ويدافع عنها.
    * رئيس شبكة محامون ضد الفساد

المزيد من مقالات (د. أسامة عبدالإله الأصبحي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال