- أحمد الميسري وعيدروس الزبيدي
ليس كل من يصفق مقتنعًا، وليس كل من يهاجم صاحب موقف. ففي زمن الترند، يبدو أن بعضهم اكتشف طريقًا مختصرًا إلى الشهرة: اختر شخصية سياسية لها جمهور، صفّق لها أو هاجمها، وستتكفل المعركة بجلب المشاهدات، وربما تمنحك مكانة لم تصنعها سنوات العمل.
اليوم، يتصدر أحمد الميسري النقاش بتصريحاته، ويستقطب عيدروس الزبيدي الاهتمام بخطابه ومواقفه. وبين مؤيد لهذا ومعارض لذاك، يبرز سؤال أهم من التصفيق والهجوم: كم من هذا الجدل هدفه مناقشة المواقف، وكم منه استثمار في انقسام الشارع لصناعة حضور شخصي؟
من حق الصحفي أن يؤيد الميسري أو ينتقده، وأن يناصر الزبيدي أو يعارضه. لكن المهنية لا تعني أن نرفع أحدهما إلى مرتبة لا تُمس، أو نحول الآخر إلى خصم لا يُسمح له بالكلام. المهنية أن نحلل التصريحات، ونفحص الحجج، ونناقش النتائج، لا أن نستعير أصوات الجمهور ونقدمها بوصفها رأيًا صحفيًا.
أما أن يتحول السياسي إلى سلّم للشهرة، فيُمدح اليوم لأن جمهوره يضمن التفاعل، ويُهاجم غدًا لأن خصومه أكثر ضجيجًا، فهنا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام بورصة مواقف تتغير أسعارها بحسب اتجاه الترند!
وللصحفيات والصحفيين الشباب أقول: الطموح ليس عيبًا، والرغبة في الانتشار حق، لكن الشهرة ليست شهادة كفاءة، وعدد الإعجابات لا يعادل عدد سنوات الخبرة. لا تختصروا طريقكم المهني في موجة تصفيق، ولا تجعلوا الشخصيات السياسية سلّمًا تصعدون عليه؛ فالسلالم المستعارة لا تصنع قامات مهنية.
قد يصفق لكم جمهور الميسري اليوم، ويصفق لكم جمهور الزبيدي غدًا، لكن ماذا سيبقى حين ينصرف الجمهور إلى ترند جديد؟ وهل سيجد القارئ في أرشيفكم تحليلًا يستحق العودة إليه، أم مجرد ضجيج كان صوته أعلى من فكرته؟
أنا لا أدافع هنا عن الميسري، ولا أهاجم الزبيدي؛ فكلاهما، شأنه شأن أي شخصية عامة، خاضع للنقد والمساءلة. ما أدافع عنه هو حق القارئ في صحافة تناقش المواقف بدلًا من استغلالها، وتقدم له عقلًا يفكر، لا ميكروفونًا يصرخ.
فالميكروفون قد يصنع ضجيجًا، لكنه لا يصنع فكرًا؛ والترند قد يمنح شهرة عابرة، لكنه لا يمنح تاريخًا مهنيًا.
ولمن يظن أن القفز إلى الواجهة يغنيه عن سنوات العمل، أقول: ليس الإنجاز أن يعرفك الناس اليوم، بل أن يجدوا غدًا ما يستحق أن يتذكروه عنك.
ويبقى الأثر... حين نكتب بضمير، ونحلل قبل أن نصفق، ونختلف دون أن نتاجر بالخلاف، وننحاز إلى الحقيقة والإنسان، دون تزلف.