> طهران "الأيام" العرب اللندنية:

​في خطوة نادرة على مستوى القيادة الإيرانية اعترف الرئيس مسعود بزشكيان، الخميس، بوجود إخفاقات أمنية واضحة خلال الحرب الأخيرة التي اندلعت بين إيران وإسرائيل. ويشير هذا الاعتراف، الذي يمثل تقليدًا غير معتاد في النظام الإيراني الذي يتسم بالسلطوية والتكتم، إلى وجود أزمة حقيقية في منظومة الأمن الإيراني، ويفتح الباب أمام نقاشات عميقة حول مدى إمكانية إصلاح هذه المنظومة وإعادة هيكلتها.

ومع ذلك، فإن الطريق إلى الإصلاح ليس سهلًا ولا مباشرًا، بل محفوف بالتحديات الداخلية، والسياسية، والأمنية، والاقتصادية التي تجعل من عملية إعادة الهيكلة الأمنية مهمة شائكة ومعقدة. ورغم كونه شخصية سياسية بارزة، فإن إقرار الرئيس مسعود بزشكيان بهشاشة الأجهزة الأمنية الإيرانية في مواجهة التهديدات الإسرائيلية يعد خطوة غير مسبوقة.

وفي النظام الإيراني، الذي يعتمد على منطق القوة والسيطرة الأمنية، من النادر أن يصدر اعتراف رسمي بمثل هذه الإخفاقات، خاصة بعد حملة مكثفة شهدتها البلاد ضد ما وصفته السلطات بـ”العناصر الخائنة” المتهمة بالتجسس لصالح إسرائيل. ويرى مراقبون أن هذا الاعتراف له دلالات مهمة؛ فهو يشير إلى إدراك رسمي بوجود قصور أمني كبير، وربما يعكس ضغطًا متزايدًا على النظام لإعادة تقييم بنيته الأمنية والتقنية.

لكن في الوقت ذاته، يفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم ومدى التعقيدات التي تواجه هذه الأجهزة لإجراء أيّ إصلاح فعلي، وسط بيئة سياسية متشابكة ومليئة بالتحديات. وتعتبر الأجهزة الأمنية في إيران شبكة معقدة تضم عدة مؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني، وجهاز المخابرات العامة، وجهاز الأمن الداخلي، إضافة إلى أجهزة أمنية أخرى أقل شهرة لكنها ذات تأثير.

وهذه الأجهزة ليست مجرد مؤسسات تنفيذية، بل هي أدوات سياسية بامتياز، وتتمتع بنفوذ مستقل وأجندات خاصة، ما يؤدي إلى وجود تنافس وصراعات مستمرة على النفوذ والسيطرة. ويقول الدكتور كمال نجفي أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران إن “إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في إيران ليست مجرد تعديل إداري، بل هي محاولة لإعادة رسم خارطة القوى داخل الدولة العميقة.”

ويشير نجفي إلى أن وجود مثل هذه الصراعات يجعل من الصعب تنفيذ أيّ إصلاحات حقيقية أو التوصل إلى رؤية موحدة دون وجود تسويات سياسية معقدة. ويتابع “هذا الواقع يجعل من مهمة أيّ قائد جديد أو إصلاح هيكلي مهمة غير مرغوبة من قبل العديد من الجهات التي قد ترى في ذلك تهديدًا لنفوذها ومصالحها الخاصة. لذلك، فإن أيّ خطوات جذرية في إعادة الهيكلة تحتاج إلى توافق سياسي داخلي يصعب تحقيقه في ظل الانقسامات الحالية“.

ولم تكن الهجمات التي استهدفت كبار القادة العسكريين الإيرانيين ومراكز حساسة في طهران خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل الأولى من نوعها. فقد واجهت إيران على مر السنوات الماضية سلسلة من عمليات التجسس والاغتيالات التي نفذتها أجهزة استخبارات دولية معادية، ولاسيما الموساد الإسرائيلي.

وتكشف هذه العمليات عن هشاشة متزايدة في المنظومة الأمنية، وافتقار لنظام رقابي فعال يمنع تسرب المعلومات. ويؤكد الباحث يوسف العلي أن “الاختراقات الأمنية كشفت هشاشة المنظومة، لكن المشكلة الأكبر هي غياب الشفافية والرقابة الداخلية.”

ويضيف العلي أن ذلك “يزيد من صعوبة التعامل مع هذه الأزمات، حيث يغيب التقييم الموضوعي للأداء، ويُستبدل ذلك بالتعتيم والتعتيم الإعلامي. فهذا الوضع يؤدي إلى ضعف ثقافة المساءلة، ما يجعل الإصلاحات المحدودة لا تتجاوز مراحلها الأولى“. ولم تقتصر الهجمات على العمليات الميدانية فقط، بل شملت هجمات إلكترونية مستمرة تستهدف البنية التحتية الحيوية في إيران، ما يضع الأجهزة الأمنية تحت ضغط مضاعف.

وتزيد مثل هذه الهجمات من تعقيد مهام الحماية، إذ لا تقتصر على الدفاع المادي، بل تشمل أيضًا الدفاع السيبراني الذي يتطلب تطوير مهارات وكفاءات متقدمة. ويشير الخبير الأمني الدولي جوناثان ميلر إلى أن “التهديدات الداخلية نتيجة تعاون بعض العناصر مع الموساد تشير إلى أزمة ثقة عميقة داخل الأجهزة الأمنية.”

ويضيف ميلر “إعادة الهيكلة ستحتاج إلى وقت طويل ودعم سياسي قوي وهذا يعكس أن التحديات التي تواجهها إيران ليست فقط على مستوى التجهيزات أو التدريب، بل على مستوى الثقة المتبادلة بين العناصر داخل المنظومة الأمنية“.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح الأجهزة الأمنية دون الإشارة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، والتي أثّرت بشكل كبير على قدرة الدولة على تحديث معداتها الأمنية وتطوير كوادرها البشرية. فالعقوبات تحد من وصول إيران إلى التكنولوجيا المتقدمة وتحد من الموارد المالية اللازمة لتحديث البنية التحتية الأمنية.

ويرى علي رضائي المستشار الأمني السابق أن “الأجهزة الأمنية في حاجة إلى تحديث شامل يشمل التدريب والتقنية وبناء ثقافة مؤسسية جديدة.” لكنه يحذر من أن “الخوف من فقدان السيطرة من قبل القيادات الحالية هو ما يعيق هذه التحديثات.” وتلعب التوترات الإقليمية دورا كبيرا في تعقيد الوضع الأمني الإيراني، حيث تواجه طهران تحديات مستمرة من خصوم إقليميين ودوليين، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة، ما يفرض عليها توجيه جزء كبير من مواردها الأمنية لمواجهة هذه التهديدات الخارجية.

ويجعل هذا التوجه من الصعب تخصيص الموارد الكافية لتطوير الأمن الداخلي ومعالجة الإخفاقات التي باتت واضحة. ويشرح ميلر أن “الصراعات بين الفصائل المختلفة داخل النظام ستظل عقبة رئيسية أمام أيّ إصلاح. فقد تتحول محاولات الإصلاح إلى نزاعات تزيد من تعقيد الوضع الأمني بدلاً من حلّ.”

وفي نظام سياسي سلطوي مثل إيران، تصبح الأجهزة الأمنية جزءًا من الصراع السياسي الداخلي، وتُستخدم كأدوات لحماية النظام والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ولكن هذا يؤدي إلى تسييس مفرط للملف الأمني ما يفسر سبب عدم تنفيذ إصلاحات جذرية بسهولة، لأن أيّ تغيير قد يُنظر إليه كتهديد لمصالح الفصائل التي تدير هذه الأجهزة. ويخلق هذا الوضع بيئة من عدم الثقة والتوتر بين الأجهزة الأمنية وبعضها البعض، ويجعل من عملية إعادة الهيكلة أكثر تعقيدًا، خاصة مع وجود مخاوف من فقدان النفوذ أو إعادة توزيع القوى.

ويمنع غياب آليات شفافة للمساءلة في الأجهزة الأمنية تقييم الأداء بشكل موضوعي، ويؤدي إلى استمرارية الأخطاء والقصور. فالنظام الذي يميل إلى التعتيم الإعلامي لا يسمح عادة بفتح تحقيقات مستقلة أو نشر تقارير عن الأخطاء الأمنية، ما يعني أن الإصلاحات تبقى على الورق فقط، دون تطبيق حقيقي.

ومع كل هذه التعقيدات والتحديات، يبرز سؤال مهم: هل يمكن لإيران أن تنجح في إعادة هيكلة أجهزتها الأمنية؟ ويتفق معظم الخبراء على أن الإجابة ليست سهلة، وأن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية قوية وقيادة قادرة على تجاوز المصالح الضيقة.

ويتطلب الأمر أيضًا بناء ثقة متبادلة بين الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى، وتوفير الموارد المالية والتقنية اللازمة. ويعتقد جوناثان ميلر أن الطريق طويل ومليء بالعقبات، ولكنه ليس مستحيلاً، خاصة إذا تم دعم الإصلاحات من أعلى مستويات القيادة السياسية وتم إشراك جميع الأطراف ذات العلاقة.

ويسلط الإقرار الإيراني النادر بالإخفاقات الأمنية الضوء على أزمة حقيقية تواجه النظام في حماية أمنه القومي، لكنه ليس بداية مضمونة لإصلاحات ناجحة. فعملية إعادة الهيكلة الأمنية في إيران ليست مجرد تغيير في الهياكل التنظيمية، بل هي معركة سياسية ومؤسساتية طويلة الأمد تحتاج إلى توافق داخلي عميق، وإرادة سياسية جادة، وموارد مالية وتقنية ضخمة. وفي ظل هذه الظروف، تبقى الآفاق مفتوحة، لكن الطريق نحو إصلاح شامل سيظل محفوفًا بالصعوبات والتحديات التي قد تمتد لسنوات قادمة قبل أن تحقق نتائج ملموسة.