في المساء، حين يفترض أن تعود الأرواح إلى دفئها، تسمع أصواتًا مرتفعة من خلف الأبواب المغلقة.

نعم .. أبٌ متشبثٌ برأيه، يرى في صوته بوصلة الحق. أمٌ تردّ عليه من خندقٍ فكري آخر، تظنه الطريق الوحيد للنجاة. ابنٌ يشتم أخاه لأن منشورًا على هاتفه لا يُشبه منشوره، وابنةٌ تنسحب من زيارة أسرتها، لا لشيء سوى أنها تعبت من عودتها كل مرة إلى بيتها في ظل صراع وقطيعة زوجها لها، فقط لأنه يختلف مع إخوتها.

هكذا تبدأ الحرب..

لا بصواريخ، بل بشعور طاعن بالغربة داخل البيت.

لا بمدافع ، بل بمزاجٍ مشحون على مائدة الإفطار.

لا بجيوش ، بل بأفكار مستوردة، تحوّل كل فرد في الأسرة إلى تابع مطيع لصوت خارجي، وأعمى عن صوت الدم والرحم والمحبة.

ولا على الجبهات، بل الحرب الأخطر هي التي تبدأ بكلمة جارحة على مائدة الغداء وبخطاب الكراهية في غرفة الجلوس.

تخيل الأسرة وهي (أمة مصغرة)..

فيها أربعة أشخاص، كلٌ منهم ينتمي لحزب، كلٌ منهم يستهزئ بالبقية.

تخيل أن تُدار هذه الأسرة كأنها غرفة مناظرات، لا بيتًا يسكنه الحنان. ثم لا تستغرب إذا كبر هؤلاء الأبناء وهم يحملون على ظهورهم ذاكرة مشوّهة عن "الاختلاف"، يرونه سببًا للخصومة، لا بابًا للفهم.

في كل مرة ينقسم فيها أفراد الأسرة، يولد كسرٌ صغير في جدار الوطن.

وفي كل مرة نُعلي صوت الانتماء السياسي فوق صوت الحب العائلي، يُزاح حجر من أساس المجتمع. حتى تأتي اللحظة التي تتسع فيها الفجوة من المطبخ إلى المدينة، ومن غرفة الجلوس إلى حدود الدولة.

الوطن لا يُنهب دفعة واحدة، بل يُفرَّغ من روحه ببطء، بيتًا بيتًا، وشقيقًا شقيقًا، وذكرى دافئة، تُستبدل بخطاب بارد، موجه، مدفوع الأجر.

نعم، إذا فقد البيت أمنه الداخلي، يصبح الوطن سهل الاختراق، وإذا انقسمت الأسرة، انقسمت الجغرافيا والسيادة والهوية.

وحدها الأسرة الواحدة الموحدة أي الأسرة التي تجمعها الود لا الولاء الأعمى، هي التي تُخرّج مواطنًا سليمًا لا يُحارب أخاه من أجل رأي، ولا يطعن أحبّاءه بحجّة التبعية، ولا يُسلّم قلبه لأصواتٍ تهدم بيته وهو يصفق لها.

المواطنة لا تولد من التشابه، بل من داخل الأسرة التي تعرف کیف تدیر تنوعها بحب ..

الموطن الصالح يختلف دون إن يفسد الود، لأنه خلاف فكر لا خلاف مشاعر..

انتبه أخي العزيز..

نحن نختلف بالعقل لا بالقلب ، فالقلوب لا ينبغي أن تنقسم بسبب اختلاف العقول والآراء، تلك هي أخلاق المواطن الصالح.