اليمن في وضعًا غير مستقر يزداد تعقيدًا يوماً بعد آخر، خاصة في المحافظات الجنوبية، التي أصبحت اليوم تتحمل عبء أزمات لم تكن طرفًا في صناعتها. ففي الوقت الذي يفرض فيه الحوثيون سيطرتهم الكاملة على الشمال دون أي مقاومة تُذكر من قوى الشرعية، تواصل هذه القوى البحث عن ملاذات بديلة ومنافع شخصية، بدل أن تكون في مقدمة الصفوف لتحرير صنعاء واستعادة الدولة. هذا التخاذل السياسي والعسكري سمح للحوثي بتعزيز نفوذه، كما فتح الباب واسعًا أمام موجات نزوح شمالية ضخمة إلى الجنوب، الأمر الذي أصبح يشكل خطرًا حقيقيًا على التركيبة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية للجنوب.

التدخلات الإقليمية باتت أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد تندرج ضمن سياق دعم مشروع الدولة، بل تحوّلت إلى أدوات مقايضة بين الأطراف الدولية والمحلية، تبحث فيها كل دولة عن نفوذها وحصتها من كعكة الصراع. سلطنة عمان، وفق ما يتردد، تدعم بعض التشكيلات العسكرية في المهرة، بينما تتوزع جهود السعودية بين حضرموت ومأرب وشبوة، في حين تواصل الإمارات دعمها الاستراتيجي للمجلس الانتقالي الجنوبي. ومع أن هذا التنوع في الدعم قد يبدو إيجابيًا على السطح، إلا أنه في جوهره يُدار دون تنسيق أو رؤية شاملة، مما يهدد بانفجار محتوم ستكون تبعاته كارثية ليس فقط على اليمن بل على المنطقة بأكملها.

من يتأمل المشهد في اليمن لا يمكنه تجاهل ما حدث في سوريا. نفس الأدوات، نفس السياسات، ونفس الرهانات على وكلاء الداخل، والنتيجة معروفة: بلد ممزق، ودمشق اليوم ليست عاصمة القرار، بل ساحة صراع لمصالح القوى الكبرى. الدعم التركي لبعض الفصائل، وتنامي النفوذ الإيراني، ودخول إسرائيل على خط التجاذبات، كلها رسمت مسارًا تحولت فيه الدولة إلى مجرد ورقة تفاوض. واليمن، إن لم تُتخذ خطوات سريعة وجادة، يسير في الطريق ذاته.

ما يحدث في الجنوب من تضييق اقتصادي وخنق للموارد من قبل بعض الأطراف الخليجية لا يمكن تبريره سياسيًا أو أخلاقيًا. فبدلاً من دعم الشركاء الحقيقيين على الأرض، يُمارس نوع من العقاب الجماعي بحق المواطنين، في محاولة لإضعاف الموقف الجنوبي. لكن هذه السياسات لا تصنع استقرارًا، بل تؤسس لانفجار وشيك سيطال الجميع دون استثناء.

وفي خضم كل ذلك، تقع مسؤولية كبيرة أيضًا على عاتق المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي بات مطالبًا بإصلاح بنيته الإدارية والتنظيمية، وتفعيل دور المجالس المحلية، وضخ دماء جديدة قادرة على العمل والبناء، فمرحلة الشعارات انتهت، والناس تنتظر حلولًا لا خطابات. هناك إجماع متزايد بين أبناء الجنوب على أن الوقت قد حان لاتخاذ قرارات جريئة تُنقذ ما تبقى وتضع الأمور في نصابها الصحيح.