ما لحق بعدن بعد الاستقلال عن الاستعمار البريطاني يشبه إلى حد كبير ما لحق بالجنوب بعد حرب صيف عام 1994، سواء من حيث المظالم الحقوقية أو أعمال النهب للممتلكات الخاصة والعامة أو التهميش المتعمد لأبناء عدن والإقصاء المباشر لهم من الوظائف الهامة والمراكز القيادية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

ما يشعر به غالبية الجنوبيين الآن شعر به من قبل غالبية أبناء عدن من ظلم وحيف لحق بهم وبهويتهم وبأرضهم وممتلكاتهم بدواعي وحجج مشابهة لحجج النظام القائم حاليًّا، على اعتبار أن الوحدة خط أحمر وعودة الأصل للفرع وما إلى ذلك.

اشتكى أبناء عدن من نفس العنصرية البغيضة التي يشتكي منها الجنوبيون الآن ومن الإحساس بالغربة في مدينتهم وعلى أرضهم مما دفع بعشرات الألاف من الكوادر وأصحاب الكفاءات إلى الهجرة خارج مدينتهم.

عدن بما كان لديها من مخزون إداري وتعليمي وكفاءات إبداعية في مجالات عدة وثقافة فريدة اكتسبتها من كونها مستعمرة بريطانية كان بإمكانها أن تكون قاعدة انطلاق للعديد من المشاريع النهضوية في الجنوب العربي ولكن ما حدث كان العكس تمامًا.

هذا التراث والمخزون الحضاري "العدني" هو نفسه ما يفاخر به معظم الجنوبيون الآن على اعتبار أن الجنوب كان دولة نظام وقانون ومؤسسات وأن المجتمع الجنوبي كان مجتمعًا متسامحًا، مع أن الكل يعرف تفاصيل التاريخ الدموي لجمهورية الديمقراطية الشعبية. كذلك القول بان دولة الجنوب كان بإمكانها أن تصلح دولة اليمن الموحدة الجديدة لولا تخلف نظام صنعاء ودمويته، تشابه ليس بغريب بين حالتين متقاربتين زمنياً ولكن للأسف الشديد إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

أقول إن التشابه ليس بغريب لأن الظلم لا يولد عدلًا إلا إذا ردت المظالم، والفساد لا ينتج عنه صلاح الحال إلا بالمحاسبة الصادقة للنفس والأخطاء لا تصلح إلا بالاعتراف بها أولًا وحل القضايا السياسية لا يستقيم إلا بالقراءة الصحيحة للأوضاع، فالذي يطالب بأن تكون القضية الجنوبية هي الأساس لحل كل قضايا اليمن هل طرأ في باله أن هناك أيضًا قضية في عدن وقضية أخرى ربما في حضرموت تتشابهان في حيثياتهما تمامًا مع حيثيات القضية الجنوبية.

لابد من وضع الأمور في نصابها من أجل تصحيح الأوضاع للأجيال القادمة، ولذلك لا ينبغي الخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها فالقضية الجنوبية هي امتداد طبيعي لقضية قبلها مشابهه لها إلى حد كبير تسمى القضية العدنية... من أراد أن يعرف ماهية هذه القضية العدنية فأسهل الطرق لها هو معرفة حيثيات القضية الجنوبية الآن واستبدال مصطلح الجنوب بعدن. تزوير التاريخ بالادعاء بانه كانت توجد دولة قديمة تسمى الجنوب العربي وعاصمتها عدن هي محاولات بائسة لخلق هوية موهومة.

الاختلاف بين القضيتين هو أن القضية العدنية بسبب تقصير أبنائها توشك أن توضع على الرف أما القضية الجنوبية فلها من ينادي من اجل حلها استناداً على مبدأ القوة والغلبة المشابه هو أيضًا لأسلوب نظام الشمال، والحل للقضيتين أيضًا متشابه إلى حد التطابق تقريبًا. تمامًا مثلما ينادي غالبية أبناء الجنوب بضرورة أن يحكم الجنوب أبناءه – من غير العدنيين طبعًا - ينبغي كذلك ونحن في عصر الحكومات الإلكترونية أن يعطى نفس هذا الحق لأبناء المناطق الأخرى مع الإبقاء على دولة مركزية في نظام فيدرالي تدير الشؤون الخارجية والسياسات النقدية إلى ما هنالك من أمور سيادية.

هناك دول عظمى تدار بنظام حكم فيدرالي بين أقاليم وهناك دول إسلامية حققت مراحل متقدمة من النمو الاقتصادي والتطور التعليمي أيضًا قائمة على نظام فيدرالي بين الأقاليم أو بين مشيخات مثل ماليزيا والإمارات وغيرهما، فمتى نعي ونتعلم من أخطائنا وأخطاء الغير رحمة بصغارنا وبالأجيال القادمة، طبائعنا كعرب لا تحتمل الديمقراطية بنمطها الغربي في الوقت الحالي ولذلك من الأفضل الاعتراف بهذه الخصوصيات بدلاً من إضاعة الوقت من اجل العمل على ولادة دولة ميتة.

خلاصة القول، هنالك بلا شك قضية جنوبية ولكن أيضًا هناك بلا شك قضية عدنية وقضية حضرمية وقضايا أخرى فهل من معترف؟