> عدن "الأيام" خاص:
في رحلة توثيق لا تشبه غيرها، يواصل الناشط في تدوين التراث العدني علي أحمد بانافع نبشه لذاكرة المدينة، مستعيدًا عبر "زغاطيطها" القديمة ملامح غابت وأسماء تغيّرت، لكنها ما زالت تسكن وجدان العدنيين، وتصلح لأن تُكتب كوثيقة لا تموت.
يقول بانافع وهو يسرد شريط ذكرياته "من بين أهم المحطات التي ما زالت راسخة في ذاكرتي، مبنى قديم كان مخصصًا للنساء والولادة ويعرفه الناس في كريتر باسم (الكُنين). هذا المستشفى الذي تحول بعد الاستقلال إلى ما سُمي لاحقًا (مستشفى الشعب)، اشتهر أكثر في مجال طب العيون، وكان يعمل فيه أطباء صينيون، أعتقد أن وجودهم كان في إطار التعاون بين عدن والصين، خاصة في فترة الرئيس سالمين التي شهدت تفتحًا في العلاقات الدولية وازدهارًا داخليًا".
ويضيف: "كان الناس يسمونه (مستشفى الصين)، والمبنى رغم بساطته إلا أنه بني بطراز جميل، مناسب لبيئة كريتر الخانقة. أشجار النيم التي تحيط به كانت تلطّف الأجواء، وتمنح المكان شيئًا من الهدوء".
"يُعد من أقدم ملاعب التنس في اليمن، وربما في الجزيرة العربية، تأسس عام 1902، وكنّا نمر بجواره كأطفال فنشاهد ما يجري داخله من خلف الأبواب. أذكر اللاعب العدني الشهير وديع ثابت، الذي كان أحد نجومه، وقد لعب أيضًا لنادي التلال في كرة القدم."
ويضيف: "اللعبة كانت توحي بالفخامة، وكأنها مستوردة من عالم آخر، من 'ويمبلدون' مثلًا. لم يكن يلعبها إلا عدد محدود من الناس".
ويتابع بابتسامة: "كان مشهد البرودة على جوانب الكأس كافيًا ليشعرك بالارتواء. لم نكن نعرف هذه الأشياء في قُرانا، وعدن كانت متقدمة جدًا في تفاصيلها الصغيرة".
"هذا المبنى هو ما نعرفه اليوم باسم مدرسة عوض ميسري الابتدائية. لا أدري ما كان اسمها القديم، لكن شكل البناء يدل على أصالته، كأن المدينة كانت تولي المدارس عناية خاصة".
"مبنى الجوازات الحالي كان سابقًا في موقع آخر عند تقاطع سوق البز وشارع أبان، وهو مبنى كان تابعًا لوكيل السكر المريسي، حيث كان الناس يطلقون على السكر اسم (المريسي). وبعد التأميم، تحول إلى مقر للجوازات حتى أواخر السبعينات، قبل الانتقال إلى المبنى الحالي".
ويضيف: "كان يدير الجوازات شخصية صارمة اسمها علي مقبل، خدم مع البريطانيين ثم أصبح مديرًا للجوازات بعد الاستقلال. كان معروفًا بتشدده مع المغتربين، خصوصًا بعد 1970، حين مُنعت الهجرة بشكل شبه تام، باستثناء بعض الحالات كالمرض والحج."
ويستدرك: "لكن ما يُحسب لذلك الجهاز هو أرشيفه المنظم الذي كانت تديره نساء بكفاءة لافتة. كنت ترى الموظفة تفتح الملف القديم وتستخرج البيانات بدقة عجيبة. وإذا كان المسافر نظاميًا، تُستكمل معاملته بسرعة. أما غير ذلك، فكان مصيره العودة للتهريب عبر الحدود".


ويتذكر بانافع أيضًا بعض المواقف قائلًا "كنت أرى أحيانًا الدكتور ياسين سعيد نعمان — عندما كان نائبًا لوزير الثروة السمكية — يجلس في النادي متواضعًا مع اللاعبين والإداريين. وكنت من المحظوظين الذين مثّلوا النادي في بطولة القوى عام 1982، وحققنا فيها بطولة التتابع".
ويختم بانافع بقوله:"ما أحكيه ليس تاريخًا رسميًا، بل ذكريات شخصية، لكنني أظن أنها ضرورية لحفظ الذاكرة العدنية التي تتآكل بصمت".
يقول بانافع وهو يسرد شريط ذكرياته "من بين أهم المحطات التي ما زالت راسخة في ذاكرتي، مبنى قديم كان مخصصًا للنساء والولادة ويعرفه الناس في كريتر باسم (الكُنين). هذا المستشفى الذي تحول بعد الاستقلال إلى ما سُمي لاحقًا (مستشفى الشعب)، اشتهر أكثر في مجال طب العيون، وكان يعمل فيه أطباء صينيون، أعتقد أن وجودهم كان في إطار التعاون بين عدن والصين، خاصة في فترة الرئيس سالمين التي شهدت تفتحًا في العلاقات الدولية وازدهارًا داخليًا".
ويضيف: "كان الناس يسمونه (مستشفى الصين)، والمبنى رغم بساطته إلا أنه بني بطراز جميل، مناسب لبيئة كريتر الخانقة. أشجار النيم التي تحيط به كانت تلطّف الأجواء، وتمنح المكان شيئًا من الهدوء".
- أرستقراطية الرياضة في قلب كريتر
"يُعد من أقدم ملاعب التنس في اليمن، وربما في الجزيرة العربية، تأسس عام 1902، وكنّا نمر بجواره كأطفال فنشاهد ما يجري داخله من خلف الأبواب. أذكر اللاعب العدني الشهير وديع ثابت، الذي كان أحد نجومه، وقد لعب أيضًا لنادي التلال في كرة القدم."
ويضيف: "اللعبة كانت توحي بالفخامة، وكأنها مستوردة من عالم آخر، من 'ويمبلدون' مثلًا. لم يكن يلعبها إلا عدد محدود من الناس".
- "بانهايس".. ماء بارد في زمن حار
ويتابع بابتسامة: "كان مشهد البرودة على جوانب الكأس كافيًا ليشعرك بالارتواء. لم نكن نعرف هذه الأشياء في قُرانا، وعدن كانت متقدمة جدًا في تفاصيلها الصغيرة".
- مبانٍ ومدارس وأسماء تغيرت
"هذا المبنى هو ما نعرفه اليوم باسم مدرسة عوض ميسري الابتدائية. لا أدري ما كان اسمها القديم، لكن شكل البناء يدل على أصالته، كأن المدينة كانت تولي المدارس عناية خاصة".
- الهجرة والجوازات أرشيف لا يُنسى
"مبنى الجوازات الحالي كان سابقًا في موقع آخر عند تقاطع سوق البز وشارع أبان، وهو مبنى كان تابعًا لوكيل السكر المريسي، حيث كان الناس يطلقون على السكر اسم (المريسي). وبعد التأميم، تحول إلى مقر للجوازات حتى أواخر السبعينات، قبل الانتقال إلى المبنى الحالي".
ويضيف: "كان يدير الجوازات شخصية صارمة اسمها علي مقبل، خدم مع البريطانيين ثم أصبح مديرًا للجوازات بعد الاستقلال. كان معروفًا بتشدده مع المغتربين، خصوصًا بعد 1970، حين مُنعت الهجرة بشكل شبه تام، باستثناء بعض الحالات كالمرض والحج."
ويستدرك: "لكن ما يُحسب لذلك الجهاز هو أرشيفه المنظم الذي كانت تديره نساء بكفاءة لافتة. كنت ترى الموظفة تفتح الملف القديم وتستخرج البيانات بدقة عجيبة. وإذا كان المسافر نظاميًا، تُستكمل معاملته بسرعة. أما غير ذلك، فكان مصيره العودة للتهريب عبر الحدود".
- التلال.. تاريخ وطن يُختصر في نادٍ
ويتابع بانافع حديثه بما يشبه الفخر وهو يتحدث عن نادي التلال:"هو أقدم نادٍ رياضي في اليمن وربما في الجزيرة العربية، تأسس عام 1905 باسم (الأحرار)، لكن البريطانيين رفضوا الاسم فتم تغييره إلى (النجم اللامع). وبعد دمج الأندية في عدن بين عامي 1973 و1975، تأسس نادي التلال بشكله الجديد".

ويضيف: "كان مبنى النادي يضم ساحة كبيرة، ملاعب للطائرة والسلة، صالة للألعاب الداخلية كالشطرنج والتنس، وخزائن زجاجية تعرض الكؤوس التي أحرزها التلال في تاريخه. بعضها كان ضخمًا لدرجة تثير الدهشة".

ويتذكر بانافع أيضًا بعض المواقف قائلًا "كنت أرى أحيانًا الدكتور ياسين سعيد نعمان — عندما كان نائبًا لوزير الثروة السمكية — يجلس في النادي متواضعًا مع اللاعبين والإداريين. وكنت من المحظوظين الذين مثّلوا النادي في بطولة القوى عام 1982، وحققنا فيها بطولة التتابع".
ويختم بانافع بقوله:"ما أحكيه ليس تاريخًا رسميًا، بل ذكريات شخصية، لكنني أظن أنها ضرورية لحفظ الذاكرة العدنية التي تتآكل بصمت".


















