إن طباعة عملة معدنية وورقية من قبل السلطات التابعة لمليشيا الحوثي في صنعاء يضرب في عمق الأزمة الاقتصادية في البلاد.

والخطورة الكبيرة للقرار النقدي الأحادي للحوثيين تتمثل في نتائجه الكارثية على وحدة النظام المالي والسياسي وتشطير وتقسيم النظام المصرفي رغم انهيار عملته وتردي خدماته نحو الاقتصاد المالي المستقر بأي حال من الأحوال وكارثة على حياة المواطن الذي يتعامل بالريال كعملة محلية وتنافسه الهش مع عملات السوق التجارية والتي فرضت وجود تعاملها بقوة مثل (الريال السعودي والدرهم الإماراتي والدولار) حيث باتت العملة الوطنية اليوم في الحضيض كنتيجة مركّبة للسياسات المالية العشوائية والانقسام المؤسسي والسياسي بين عدن وصنعاء.

إن هذا الأمر يحتاج لتفصيل المسألة ومدى خطورتها النقدية الاقتصادية وكذلك السياسية.

الخطورة الاقتصادية لطباعة الحوثيين عملة جديدة:

الميليشيات الحوثية – رغم عدم الاعتراف بها كسلطة شرعية - بدأت مؤخرًا كسلطة أمر واقع بتحركات سرّية لطباعة عملة نقدية جديدة، مختلفة عن تلك التي تطبعها الحكومة الشرعية في عدن. خطورة هذه الخطوة فيما تتجلّى في ظل انهيار ضخم للعملة الوطنية (الريال)؟

هل تعميق الانقسام النقدي بين سلطة صنعاء الحوثية وسلطة عدن الحكومة الشرعية هل تبعات خاصة على التبادل التجاري غير الظاهر بين الطرفين؟

البلد اليوم فعليًا يعيش حالة "نظامين ماليين" غير مستقرين ومتضاربين:

الريال القديم (ما قبل 2016) في صنعاء.

والريال الجديد (المطبوع بعد 2016) في عدن... كيف قدر على عدم مساواته مع عملة نقول (1000) الجديدة وأصبح هناك سعر صرف بين الورقتين؟

أي طباعة عملة جديدة من قبل الحوثيين ستُدخل الاقتصاد المالي رسميًا في حالة انفصال نقدي حاد، يصعب التراجع عنه حتى لو تحقق سلام سياسي لاحقًا ويؤسس لتشطير الأوضاع وحالة البلد بشكل فعلي... نتائج ذلك على المدى البعيد.

انهيار الثقة بالعملة الوطنية بشكل عام:

فوجود أكثر من نوع للعملة في التداول يعني أن التجار والمواطنين سيفقدون الثقة كليًا في الريال ا وسيتجهون للدولار أو الريال السعودي كملاذ آمن... هل هذا الآن واقع التعامل النقدي والمالي في السوق ؟

(هذا الأمر يعزز مكانة العملات الأجنبية ويدمر أدوات السياسة النقدية الوطنية إلى حد بعيد ).

تصاعد التضخم والانهيار المعيشي في حياة المواطنين:

إن طباعة عملة غير مغطاة بالنقد الأجنبي أو بالاحتياطي تعني ببساطة زيادة في الكتلة النقدية دون مقابل إنتاجي وهذا ما حدث ويحدث لكلا العملتين في ظل غياب أي سياسة نقدية بنكية في البنك المركزي في عدن أو صنعاء ... نتائج استمرار ذلك لأعوام قادمة.

ما النتائج المحتملة؟

1 - حدوث إفلاس شامل للمواطن البسيط الذي يتقاضى راتبه بريال لا يُعترف به في مناطق أخرى وازدياد نسب الفقر.

2 - شلل في القطاع التجاري بين المناطق المحررة والواقعة تحت سلطة الأمر الواقع وهي ذات كثافة سكنية كبيرة جدا وبسبب الاختلاف النقدي أحدث شرخاً واضحاً يتفاقم ويزداد أثره بشكل متسارع.

3 - استدامة الانقسام السياسي بسبب تعمّق الانقسام الاقتصادي.

4 - مزيد من هروب رؤوس الأموال وتوقف شامل لعجلة الاقتصادية.

هل من خلاصة؟:

انفجار الأسعار، انهيار القوة الشرائية، ومجاعة زاحفة وبخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية الأكبر والخاضعة للحوثي.

(هل الإجابة بصراحة: نعم، وبشكل كبير. وهذا التراخي يتجلى في أمور كثيرة)؟

1 - عدم الكفاءة وانعدام القدرة على اتخاذ خطوات استباقية لوقف الطباعة.

2 - انعدام المراقبة للسوق المالية وحركة الكتلة النقدية الوطنية والأجنبية.

3 - عدم معرفة مسبقة بعمليات الطباعة والتجهيز لها بالمستلزمات الطباعية مما يدل على خلل واضح لدى اجهزة الاستخبارات في الحكومة الشرعية.

4 - عدم محاصرة الحوثي اقتصاديا وتجفيف منابع المال لديه.

لقد فشل البنك المركزي في عدن بإعادة الثقة بالريال الشرعي وعدم القدرة على ضبط السوق المصرفي والحركة النقدية والتحكم بالكتلة النقدية كأهم أدوات تنفيذية للبنك المركزي.

إن غياب التنسيق الفعلي مع المؤسسات المالية الدولية مثل IMF والبنك الدولي وغيرها لتثبيت نظام نقدي موحد وفرض ضغوط على الجهات المانحة بعدم التعامل نقديًا مع الجماعة الانقلابية ولد نظامين بنكيين بشكل فعلي ولسنوات طويلة.

إن هذا التراخي وعدم الكفاءة لدى الحكومة الشرعية منح الحوثيين فرصة لملء الفراغ، بل وحتى تصدير النموذج المالي الخاص بهم في المحافظات المحاذية.