> القاهرة "الأيام" العرب اللندنية:
أثار حذف الأزهر الشريف بيانًا رسميًا كان قد نشره حول ما وصفه بـ"المجاعة المتعمدة في قطاع غزة"، ردود فعل متباينة على الساحة الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن الخلفيات الحقيقية للقرار، وتوقيت صدوره في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
لكن بعد ساعات قليلة من نشر البيان، اختفى النص من المنصات التابعة للأزهر، ما دفع مراقبين إلى التساؤل حول سبب الحذف، خصوصًا أن المؤسسة نادرًا ما تتراجع عن مواقف معلنة بهذه الصيغة القوية، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي ظلت لعقود من ثوابت خطابه الديني والإنساني.
جاء الرد الرسمي من المركز الإعلامي للأزهر الشريف عبر منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، موضحًا أن حذف البيان جاء "في إطار المسؤولية أمام الله والناس، وحرصًا على دعم أي جهد صادق يمكن أن يساهم في وقف العدوان وإدخال المساعدات إلى غزة".
وأضاف المركز أن البيان، رغم صدقه وعدالته، "قد يُستغل من بعض الأطراف لإفشال الجهود الجارية للوصول إلى هدنة وحقن دماء الأبرياء"، مؤكداً أن القرار جاء من موقع إدراك خطورة المرحلة، وليس تراجعًا عن دعم الشعب الفلسطيني أو انتقاصًا من إدانة الجرائم المرتكبة بحقه.
وبحسب معلومات نقلتها صحيفة الشرق الأوسط عن مصدر مطّلع على مجريات ما دار داخل المؤسسة، فإن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب تلقّى نصيحة من دوائر دبلوماسية مصرية تقترح إعادة النظر في توقيت البيان ومضمونه، بالنظر إلى المفاوضات الجارية لوقف إطلاق النار، والتي تقودها القاهرة بالشراكة مع قطر والولايات المتحدة.
ووفق المصدر، فقد فُكّر بداية في إعادة صياغة النص ليكون أقل حدة، إلا أن المؤسسة ارتأت في النهاية أن الخيار الأنسب هو حذفه بالكامل. ونقل المصدر عن الشيخ الطيب قوله "لو أن حذف البيان يُدخل جوال دقيق واحد إلى أهلنا في غزة، فلن نتردد".
القرار أحدث انقسامًا واضحًا على المنصات الرقمية. إذ رأى منتقدو الحذف أنه يمثل سابقة في تاريخ الأزهر، وتراجعًا عن دور أخلاقي وإنساني يجب أن يبقى مستقلاً عن الاعتبارات السياسية، بينما أبدى آخرون تفهمهم للموقف، معتبرين أن الأولوية الآن هي تسهيل إيصال المساعدات، وليس إطلاق مواقف قد تستخدمها بعض الأطراف لعرقلة جهود التهدئة.
وقد علّق ناشطون فلسطينيون معتبرين أن "صوت الأزهر يجب أن يبقى صادحًا في وجه الظلم، بغض النظر عن الحسابات السياسية".
وقرار الحذف يتزامن مع لحظة دقيقة تجري فيها مفاوضات غير مباشرة بين حركة حماس وإسرائيل بوساطة مصرية – قطرية، من أجل التوصل إلى هدنة تمتد نحو 60 يومًا تشمل إدخال مساعدات إنسانية عاجلة، والإفراج عن عدد من الأسرى.
ويرى مراقبون أن القاهرة، التي تقود المساعي إلى جانب أطراف إقليمية، تسعى إلى تقليل أي ضغوط خطابية قد تستغلها إسرائيل لتبرير تعطيل التفاهمات، وأن الأزهر، كمؤسسة وطنية، اختار الاصطفاف مع ما يُعتقد أنه "مصلحة فلسطينية عاجلة"، حتى لو كان الثمن التنازل عن بيان كان يمكن أن يلقى صدى واسعًا في العالم الإسلامي.
ويعكس هذا الجدل الحساسيات المتزايدة بين الثابت الأخلاقي الذي تمثله المؤسسات الدينية، وبين الواقع السياسي الذي تتحرك فيه الحكومات والدول. فالأزهر، الذي لطالما تبنّى مواقف صريحة تجاه القضية الفلسطينية، وجد نفسه في لحظة يتعيّن عليه فيها الموازنة بين خطابه المبدئي، ومقتضيات مرحلة تفاوضية حرجة.



















