> تقرير/ أحمد يسلم:
- اللواء العفيف يعود إلى مسقط رأسه ويستعيد محطات النضال في كنف الجبال
- لبعوس.. تحوّل عمراني مذهل وسط تضاريس قاسية وسكان تجاوزوا 140 ألف نسمة
- نشاط تجاري لافت وازدحام مروري يُضاهي المدن الكبرى رغم وعورة الجغرافيا
- لبعوس.. مدينة من حجر
استُقبل الوفد من قبل المستشار خالد محمد الحصني، عضو الهيئة الاستشارية للمجلس الانتقالي الجنوبي، ثم توجهنا إلى ديوان المنطقة، المبني بعناية فائقة، والذي يُعد مجلسًا عامًا يجتمع فيه أهالي الحي عصر كل يوم. الطريق إليه مرصوف بالحجارة، وقد تم تمويل إنشائه من مساهمات الأهالي ورجال الأعمال، في مشهد منسجم مع روح التكافل والانتماء. كان الحضور لافتًا، والحديث اجتماعيًا دافئًا، يتخلله السمر، والذكريات، وقصائد الزوامل، وصولًا إلى زفة العريس وسط رقصات يافعية ولحجية توّجت أجواء الفرح.

مدينة لبعوس
مع المساء، عدنا إلى المدينة وطفنا في أسواقها النشطة، مثل سوق 14 أكتوبر والمولات التجارية الحديثة. مشاهد المدينة الليلية تعكس تحوّل لبعوس إلى مدينة مزدهرة، تزداد كثافتها السكانية يومًا بعد يوم، وقد تجاوز عدد سكانها اليوم 140 ألف نسمة. قضينا الليلة في أحد الفنادق الحديثة، وفي الصباح التالي بدأ التوافد من قبل عدد من القادة والرفاق العسكريين للواء العفيف، أبرزهم اللواء صالح أحمد العيسائي، المدير العام السابق للمديرية، والعميد أكرم الحنشي، قائد محور يافع، الذي وجّه دعوة خاصة لزيارة "العر"، الموقع التاريخي الشاهق.
- قمة العر.. الحكاية تبدأ من أعلى
في صباح اليوم التالي، انطلقت قافلتنا إلى قمة العر، بقيادة المستشار الحصني، الذي يتمتع بعلاقات اجتماعية واسعة في يافع وعدن. عبرنا أسواق المدينة الحيوية: سوق 14، وسوق السلام، وحي الفرزة، وكلها تشهد حراكًا تجاريًا وازدحامًا مروريًا يضاهي مراكز المدن الكبرى. ثم مررنا عبر نقيل "حبة"، وواصلنا إلى "ضيئان"، وهناك توقفنا لاحقًا بعد عودتنا لزيارة الأستاذ علي صالح محمد، شقيق السياسي المعروف سالم صالح محمد، للاطمئنان على صحته.

منطقة آل بن صلاح
وعلى ارتفاع أكثر من 2240 مترًا، وصلنا إلى العر، حيث كان في استقبالنا القائد الحنشي برفقة أركان اللواء الثالث نبيل محمد، وانضم إليهم بالصدفة قائد أمن الحد ورئيس انتقالي حبيل الجبر. وفي هذا المشهد الجبلي الشامخ، استعاد اللواء قاسم عبدالرب ذكرياته حينما زار الموقع بمعية الرئيس سالمين على متن طائرة هليكوبتر. وسرد لنا كيف كانت القوات الجوية، حين تولى قيادتها، تقوم بإجلاء الحالات الطارئة عبر المروحيات إلى مختلف مناطق الجنوب واليمن عمومًا، في حوف وسقطرى وشبوة وحضرموت ويافع، رغم الإمكانيات الشحيحة. بل وأشار إلى تحطم مروحية روسية كانت في مهمة إنقاذ، لكن سرعان ما تم إرسال أخرى دون تردد، لأن حياة المواطن كانت هي الأولوية.
- بئر العر.. إرادة تحفر في الصخر
قائد محور يافع، العميد الحنشي، فاجأنا بأخذنا في جولة داخل العر للإطلاع على إنجاز بالغ الأهمية: حفر بئر ارتوازية على عمق 444 مترًا، رغم التضاريس الصخرية القاسية وغياب المؤشرات الواعدة في البداية. قال: "مثلما غامرنا في حبيل برق ونجحنا، قررنا خوض التحدي هنا رغم شماتة البعض"، وبالفعل، بعد أن تجاوز الحفار عمق 410 مترًا، تفجّرت المياه بغزارة شكلت نافورة فرح غمرت الحاضرين.

بئر ارتوازية في جبل العر على ارتفاع 2240 مترًا تشهد على إرادة لا تعرف المستحيل
اللواء العفيف وصف هذا الإنجاز بأنه "معجزة في قمة العر"، وعبّر عن تقديره العميق لروح القيادة الشابة الواعية، التي تتجاوز التحديات بالمبادرة والعمل.
من فوق القمة، بدت مدينة بني بكر ثاني أكبر مدن يافع، وتجلّت في الأفق تضاريس الحد وخطوط التماس مع الجنوب. وفي هذا المكان أيضًا، تعود الذاكرة إلى وقائع القرن العاشر الهجري حين اندلعت مواجهات ضارية بين أبناء يافع بقيادة الأميرة نور العفيفي، وجيوش الدولة القاسمية، بحسب مصادر تاريخية موثوقة.
مراسم الضيافة كانت في ذروتها؛ وجبة شهية على قمة العر، في جو صيفي بارد، اكتمل بالمطر الذي انهمر ونحن نهمّ بالعودة، مصحوبًا بالبرد والسيول، حتى وصولنا إلى سوق السلام في لبعوس.
- القدمة والشيخ النقيب
في صباح اليوم الثالث، تجولنا في أرجاء المدينة، ثم غادرنا باتجاه "الموسطة" ومن ثم إلى "القدمة" لزيارة الشيخ عبدالرب النقيب، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي. وكان في مرافقتنا المستشار الحصني، واللواء العيسائي، وثلة من رفاق اللواء العفيف في الحياة العسكرية، بينهم العميد قاسم عبد الحافظ العوادي، والعميد صالح محمد الشعوذي، والعميد عبدالله بن عبدالله السلال.

في الطريق، كانت مظاهر العمران تتمدد، الطرق مرصوفة بالحجارة المشذبة، والمباني تتوزع إلى قرى وبلدات. على جنبات الطريق، لوحظت بداية موسم الزراعة، حيث الأخضرار ينتشر رغم محدودية الأمطار هذا العام.
الشيخ النقيب استقبلنا في مجلسه الكبير بحفاوة بالغة، مرتديًا زيه اليافعي التقليدي، متوشحًا جنبيته المرصعة بالذهب في غمد فضي صنع في حضرموت. أشار في حديثه إلى أصول أسرته، التي تعود إلى سادة شبام في حضرموت، ممن انتقلوا إلى يافع في القرن العاشر الهجري في سياق من التبادل الديني والعسكري.

ورغم إصراره على استضافتنا، اعتذر اللواء قاسم بسبب التزامات مسبقة. توجهنا بعدها إلى مقر المجلس الانتقالي بالمديرية، حيث استُقبلنا من رئيس الهيئة التنفيذية محمد المطري، الذي رحب ترحيبًا حارًا باللواء قاسم، معتبرًا إياه أحد رموز الوطن، لما له من سيرة مشرفة ومسيرة نضالية في السلك العسكري والدبلوماسي.
اللواء قاسم ألقى كلمة مقتضبة أكد فيها على ضرورة التماسك الجنوبي في هذه المرحلة الحرجة، مشددًا على أهمية إدارة الأرض وليس فقط السيطرة عليها، ومحاربة الخطاب المناطقي والفساد، ومواصلة بناء المؤسسات، مستحضرًا ملاحم الماضي التي انتصر فيها الجنوب بوحدته وتماسكه.
- سلفة والحد
في المحطة التالية، توجهنا إلى "سلفة"، مسقط رأس اللواء قاسم عبدالرب، حيث استقبله أهالي المنطقة بحفاوة بالغة، واصطحبوه للاطلاع على توسعة مدرسة وادي سلفة، ومشاريع رصف الطريق وإنشاء حواجز مياه.

أما المحطة الختامية فكانت في "الحد"، حيث رافق عدد من وجهائها اللواء قاسم في جولة شملت مستشفى الحد، وإدارة الزراعة، ومشروع إنشاء بنك للبذور، كمبادرة محلية تهدف لحفظ سلالات زراعية نادرة وعالية الجودة.

- انطباعات من قلب يافع
مدينة لبعوس شهدت توسعًا مذهلًا جعلها من أكثر المدن اليمنية تطورًا من حيث البنية التحتية والمولات والأسواق.

كلية يافع
أسعار الأراضي بلغت مستويات خيالية، وتُباع بالعملات الأجنبية.
أزمة مياه الشرب لا تزال أبرز التحديات رغم المشاريع الحكومية السابقة.
المواطن اليافعي يشارك بإيجابية في شق الطرق وتمويل المشاريع، بروح مجتمعية نادرة.
الطريق من حبيل الجبر إلى العسكرية في حالة متدهورة وتستوجب إصلاحًا عاجلًا.
مشروع طريق "باتيس - رصد - معربان - لبعوس" يُنظر إليه كرافعة إستراتيجية لربط يافع بعدن ولحج وأبين.
الحراك الرياضي نشط، وحلم الشباب يتلخص في استاد رياضي يوازي مكانة لبعوس.

العمارة اليافعية تستحق إدراجها في قائمة التراث العالمي، وهناك مبادرات شعبية لترميم البيوت القديمة.
كلية يافع ساهمت في استقرار الشباب والحد من الهجرة، مع تزايد إقبال الفتيات على التعليم الجامعي.
أجواء الصيف والمطر في يافع تعدّ مثالية للسياحة، لكنها ما تزال تفتقر للترويج ووكالات السفر.


















